د. مريم خلف العتيبي
الصياهد أو مزاين الإبل.. هذا المحفل السنوي الذي يتوافد له ملاك الإبل ومحبيها من كل مكان بغض النظر عن جميع الظروف البيئية والأجواء المناخية.. لم يعد أمرا بسيطا أو مهرجانا خاصا بملاك الإبل لوحدهم بل أصبح تظاهرة ثقافية تراثية ضخمة.. ولم يعد الأمر والحضور قاصرا على المتواجدين في أرض الصياهد وحدها، بل سحبت معها أيضا وسائل التواصل الاجتماعي.. فمن بداية المزاين وحتي نهايته تشتعل جميع وسائل التواصل الاجتماعي تحفيزا وتشجيعا لملاك الإبل الذين لا يتوانون عن إمتاع جماهيرهم ومحبيهم بتحقيق الصفقات المليونية التي تظهر وتبرز اهتمام أهل الجزيرة بادية وحاضرة بالإبل كيف لا وقد أقسم بها الله سبحانه في فوله تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}.. والشيء بالشيء يذكر فقد بلغت مشاهدات منصة x في الشوط الأخير وإعلان نتائج شلفا ولي العهد ما يقارب من ثمانية ملايين مشاهدة، مكتسحة بذلك الرقم المليوني كل التوقعات في محدودية المزاين وتفاعل محبيه.
ولا يخفى على الجميع أن تشجيع هذا الموروث يصاحبه نشاط اقتصادي ضخم لا يستهان به يرافقه حراك ملحوظ في أسعار السيارات لحضور هذا المزاين والمحفل التراثي كذلك يصاحبه نشاط ثقافي في الأمسيات الشعرية والمحاورات التي يقودها نخبة من الشعراء العمالقة الذين لهم شأنا وشأوا في مسرح القصيدة الشعبية، وبالتالي تتوافد على هذه الأمسيات والمحاورات الجماهير المحبة والتي تبذل الغالي والرخيص طربا لسماع هؤلاء العمالقة والذين جعلوا الصياهد أشبه ما تكون بعكاظ..
ولو عدنا وتأملنا من هو السبب الرئيس والمحرك لهذه التفاعلات والحراكات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لوجدنا أنه ولع أهل الجزيرة وحبهم للإبل.. ولا غرو أن يصاحب هذا الحب هذه الحراكات الضخمة والتي تعزز من اللحمة الوطنية والتكاتف الاجتماعي وتحقيق تطلعات الدولة في الحفاظ على الموروث الشعبي في جميع صوره.
وخلال عشرة أعوام متلاحقة استطاع المهرجان بتوجيهات عراب الرؤية وبقيادة وتوجهات الشيخ فهد بن فلاح بن حثلين أن يحقق ما يصبو إليه المهرجان ويتطلع في ابراز الموروث الشعبي في أبهى وأرقى صوره وأن يعيش ملاك ومحبي الإبل أياما تاريخية لا تنسى من الإثارة والحماس والشغف، وقد أثمر هذا المحفل عن بروز العديد من الأسماء التاريخية سواءً على الصعيد المحلي أو الخليجي، والتي استطاعت أن ترسم للزمن القادم صورة واضحة وقوية عن اهتمام أبناء الجزيرة بالإبل ومحبتها علي اختلاف ألوانها ما بين الوضح والمجاهيم والصفر والعفر والحمر، كما بين المهرجان علاقة البدوي بالناقة من خلال عدد من الفعاليات مثل المشالع والطبع والهجيج والتي استطاع ملاك الإبل ومحبيها أن بظهورها للجماهير لتبقي شاهدا حيا يعكس الرباط الوثيق بين الإنسان والأثمن من ممتلكاته وهي الإبل.
والمهرجان هذا العام 1447هـ (2025-2026م) أقفل عن عامه العاشر بالعديد من الأسماء التي أظهرت شغفها وولعها بالإبل، لكن ظهر على ساحة الصياهد اسم جديد استطاع أن يفرض احترامه علي الجماهير كافة وهو الفائز الثاني بشلفا ولي العهد وهو محمد بن ناصر السلطة الذي قدم للمزاين في عدده العاشر عشرين من الإبل الوضح والتي أظهرت تميزها وانفرادها أمام الجماهير وأمام لجنة التحكيم، ورغم عدم تأهلها إلا أن مالكها تأهل بمحبة الجمهور واعدا محبيه وجماهيره بأن يكون العام القادم أكثر إثارة وحماسا.
ونحن نودع هذا المزاين في نسخته العاشرة فإننا نقدم للجهات المنظمة الشكر والتقدير والاحترام على جهودهم المبذولة لتنظيم هذا المهرجان، وعلى حرصهم الشديد على الحفاظ على الموروث الشعبي وتقديمه للجماهير المحلية والعالمية في أفضل وأرقى صوره. ولملاك الإبل الذين قدموا لهذا الموروث الكثير من الصفقات المليونية حفاظا عليه، كما أن الشكر موصول لجماهير الصياهد الأكثر فاعلية ونشاطا وحضورا مما كان له تفاعل وصدى واسع أضفى نوعا من البهجة والحراك المجتمعي تعبيرا عن محبتهم لهذا الموروث الشعبي.