محمد الخيبري
في دهاليز كرة القدم، حيث العاطفة تطغى أحياناً على لغة الأرقام، وحيث الصخب الجماهيري يطالب دائماً بالاستعراض، أثبتت الجولات الأخيرة من دوري روشن السعودي للمحترفين حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل: «الدوري لا يُكسب بالأجمل، بل بالأجهز». فبينما كانت المدرجات تترقب سحر الهلال المعتاد، كان الزعيم ينسج خيوط صدارته برداء الواقعية تحت قيادة العقل الإيطالي المدبر، سيميوني إنزاغي.
عاش نادي النصر اثنتي عشرة جولة من الزهو، محققاً سلسلة انتصارات مرعبة (عشر مباريات متتالية) جعلت الكثيرين يظنون أن لقب الدوري قد حُسم نصراوياً بامتياز. لكن كرة القدم غدارة، والضغط النفسي في قمة الهرم لا يحتمله إلا من تمرس على استنشاق هواء المرتفعات.
جاءت لحظة الحقيقة في جدة، على أرض ملعب الإنماء؛ هناك حيث انكسر كبرياء الصدارة النصراوية تحت وطأة الخسارة القاسية أمام الأهلي، والتي سبقتها عثرة اتفاقية بالتعادل مع الاتفاق.
هذا السقوط لم يكن مجرد فقدان لثلاث نقاط، بل كان زلزالاً هز الثقة وجعل العالمي يترنح تحت ضغط اللحاق بالصدارة التي سُلبت منه في لحظة شرود ذهني. في المقابل، كان الهلال يراقب المشهد ببرود العارفين.
لم يكن هلال هذا الموسم هو ذلك الفريق المستعرض الذي يسحق الخصوم بالاستحواذ السلبي أو المهارة الفردية التي تداعب المدرج فحسب؛ بل كان هلالاً إنزاغياً بامتياز.
لقد نجح السيد سيميوني إنزاغي في ترويض جينات الهلال الهجومية لصالح المنظومة الدفاعية والاتزان التكتيكي.
في ظل تطور مخيف لمستويات الفرق المنافسة التي باتت تجاري الهلال فنياً ومهارياً، أدرك إنزاغي أن التفوق بالمهارة وحده لم يعد كافياً. عالج النقص، احتوى الضغوط، وصنع فريقاً لا ينكسر بسهولة، متوجاً مسيرته الاستثنائية بخسارة وحيدة فقط جاءت في معترك عالمي (كأس العالم للأندية).
استغل الهلال تعثر النصر بذكاء الجراح. لم يندفع، ولم يغامر، بل تقدم بخطى ثابتة، محققاً الانتصارات بـ»المنطقية» التي تفرضها ظروف المباريات.
إن صدارة الهلال اليوم هي انتصار للعمل الفني المتوازن، وشهادة استحقاق لمدرب عرف كيف يطوع الأدوات لخدمة الهدف الأسمى، بعيداً عن فخ المتعة التي قد لا تؤكل خبزاً في دوري بات الأصعب في القارة.
لقد عادت الصدارة لمن استحقها بالصبر والهدوء. الهلال اليوم يتربع على القمة ليس لأنه الأكثر مهارة فحسب، بل لأنه الأقوى ذهنياً والأكثر انضباطاً تكتيكياً. وفي صراع النفس الطويل، كسبت المنطقية.. ومالت الكفة لمن عرف كيف يدير الأزمات لا من اكتفى بالركض خلف الطموحات.
ورغم النشوة التي فرضتها الصدارة، إلا أن البيت الهلالي يدرك تماماً أن البقاء على القمة أصعب من الوصول إليها.
ومع انطلاق صافرة الميركاتو الشتوي الحالي، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمطالب جماهيرية ملحة، لخصها وسم (#الهلال_ يحتاج_ مهاجم_ يالوليد)، وهو النداء الذي لم يمر مرور الكرام، بل وجد صدى فورياً بعبارة تاريخية من الرمز الهلالي الأمير الوليد بن طلال: الهلال يُلبى له.
هذا الوعد لم يكن مجرد تطمين عاطفي، بل هو ضوء أخضر لتحركات إدارية وفنية مكثفة خلف الكواليس. فالفريق الذي يقوده إنزاغي بعقلية إيطالية صارمة، يدرك أن مجاراة روزنامة الموسم المزدحمة ببطولات النفس الطويل، وعلى رأسها «دوري أبطال آسيا للنخبة»، تتطلب دماءً جديدة وعناصر قادرة على سد الثغرات التي ظهرت رغم النتائج الإيجابية.
تتجه أنظار المسيرين في الهلال نحو استقطاب «مهاجم صريح» بمواصفات عالمية، قناص ينهي أنصاف الفرص، ليكون حلاً جذرياً في المباريات التي تغيب فيها الحلول الجماعية.
فالتقارير تشير إلى رصد أسماء ثقيلة في القارة الأوروبية (مثل ليفاندوفسكي أو سورلوث)، لضمان قوة ضاربة لا ترحم أمام المرمى.
لكن الطموح الهلالي لا يتوقف عند الهجوم فحسب؛ بل تمتد الرؤية الفنية لإنزاغي إلى تحصين الدفاع والبحث عن بدائل في مركز الظهير (خاصة مع تزايد الأنباء عن رحيل محتمل لكانسيلو) لضمان التوازن بين الواجبات الدفاعية والانطلاقات الهجومية.
وتنشيط الوسط: تدعيم منطقة العمليات بعناصر تملك القدرة على التحول السريع، لتخفيف العبء عن الركائز الأساسية التي استنزفتها الدقائق الطويلة.
الهلال اليوم يسير في مسارين متوازيين؛ مسار المحافظة على صدارة الدوري بالنتائج الواقعية، ومسار البناء الفني في الميركاتو لضمان «ديمومة» هذا التفوق. إنها مرحلة إعادة الضبط لمواجهة منعطفات الموسم الحاسمة، حيث لا مجال للخطأ، وحيث تكون المنطقية هي السلاح الأول في معركة حصد الألقاب.