د. الجوهرة بنت فهد الزامل
في خضم التحولات التنموية تتشكل بعض السياسات بعيدًا عن الأضواء، لكنها تؤثر بعمق في السلوك الاجتماعي، وتعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والمؤسسات والمجتمع.
في كثير من الأحيان، يُختزل نجاح السياسات الاجتماعية في حجم البرامج المعلنة أو عدد المبادرات التي تُطلق، بينما يغيب عن النقاش العام نوع آخر من السياسات لا يظهر في العناوين، لكنه يُحدث أثراً أعمق وأكثر استدامة. إنها السياسات الاجتماعية الصامتة؛ تلك القرارات اليومية والتفاصيل التنظيمية التي تعمل في الخلفية، وتعيد تشكيل حياة الأفراد دون ضجيج إعلامي.
ويُقصد بالسياسات الاجتماعية الصامتة في هذا السياق أسلوب التأثير الهادئ عبر التفاصيل التطبيقية، لا غياب الإعلان أو الشفافية، إذ إن كثيرًا من هذه السياسات مُعلنة، لكن أثرها الاجتماعي يتشكل في مستوى التنفيذ اليومي.
ومن هذا المنظور، لا تُقاس فاعلية السياسات الاجتماعية فقط بحجمها أو حضورها الإعلامي، بل بقدرتها على التأثير الهادئ في السلوك اليومي، وتحسين التجربة المعيشية للأفراد على المدى الطويل.
هذه السياسات لا تأتي دائمًا في شكل برامج وطنية أو استراتيجيات كبرى، بل قد تكون تعديلاً إجرائياً، أو مرونة تنظيمية، أو إعادة تصميم لخدمة عامة، أو تغييراً في طريقة تقديمها. ورغم بساطتها الظاهرية، إلا أن أثرها التراكمي على جودة الحياة، والثقة المؤسسية، والتماسك الاجتماعي قد يفوق أثر مبادرات ضخمة إذا لم تُصمم بوعي اجتماعي. في العمل التخطيطي، كثيراً ما نلاحظ أن بعض السياسات تفشل ليس بسبب ضعف النوايا أو قلة الموارد، بل لأنها لم تلامس الواقع الاجتماعي الفعلي للناس. فحين تُصمم السياسات بعيدًا عن أنماط السلوك اليومي، أو دون فهم عميق لتفاعل الأفراد مع الخدمة، تتحول إلى عبء إداري بدلاً من كونها أداة تمكين. هنا تحديدًا تظهر قيمة السياسات الصامتة، لأنها تنطلق من التفاصيل العملية والتنفيذ اليومي.
وحين يُنظر إلى السياسات من زاوية أثرها اليومي لا من حجمها الشكلي، تتضح قيمة هذا النوع من التدخلات الهادئة في التجارب التنموية المعاصرة.
في التجربة السعودية، وفي سياق برنامج جودة الحياة ضمن رؤية 2030، برزت السياسات الاجتماعية الصامتة كأحد المحركات غير المرئية لتحسين جودة الحياة وتعزيز الثقة المؤسسية، دون أن تُطرح دائمًا بوصفها مبادرات اجتماعية مستقلة. كثير من التحولات المؤثرة لم تكن نتيجة تشريعات جديدة بقدر ما كانت ثمرة لإعادة تصميم تجربة المستفيد، ومرونة التطبيق، والاهتمام بالتفاصيل اليومية التي يعيشها الأفراد في تعاملهم مع المؤسسات. على سبيل المثال، أسهم التحول في تقديم الخدمات الحكومية عبر المنصات الرقمية والنوافذ الموحدة في تقليص التعقيد الإداري والاحتكاك اليومي، ما انعكس على خفض التوتر ورفع مستوى الرضا العام. هذا التحول لم يُقدَّم كسياسة اجتماعية، لكنه أحدث أثراً اجتماعياً مباشراً من خلال تبسيط الوصول للخدمة وتعزيز الشعور بالكفاءة والعدالة.
كما تمثل بعض قرارات تنظيم أوقات العمل والخدمة في القطاعات الحيوية نموذجاً واضحاً للسياسات الصامتة، حيث أُعيد توزيع ساعات العمل أو فُعّلت أنماط مرنة دون تكلفة مالية تُذكر، لكنها أحدثت أثراً ملموساً على التوازن النفسي والرضا الوظيفي والإنتاجية. وهي قرارات تخطيطية غالباً ما تُغفل في تقييم السياسات رغم تأثيرها المباشر على الحياة اليومية للأفراد.
ويبرز برنامج «قرة» مثالاً على سياسة ذكية منخفضة الضجيج، إذ لم يُغيّر أدوار الأسرة أو يفرض التزامات جديدة على سوق العمل، بل تدخل في نقطة حساسة تمس استقرار الأسرة العاملة من خلال دعم جزئي يصل إلى 50 % من التكاليف بحد أقصى 1600 ريال شهرياً لكل طفل، ما أسهم في استمرارية المرأة في العمل وتقليل التسرب الوظيفي. كما يتجلى هذا النهج في التوسع في تصميم المساحات العامة كالمماشي والحدائق القريبة من الأحياء، التي ساهمت في رفع نسبة ممارسة النشاط البدني أسبوعياً إلى 59 % خلال 2025، عززت التفاعل الاجتماعي، وشجعت النشاط البدني، وقلّلت من العزلة الاجتماعية، لا سيما لدى كبار السن، عبر تدخل تخطيطي يعمل على السلوك اليومي من خلال البيئة المحيطة.
تعكس التجربة السعودية أن جزءاً مهماً من الأثر الاجتماعي تحقق عبر سياسات هادئة ركزت على تحسين التجربة اليومية وضبط التفاصيل، من إعادة تصميم الخدمات، إلى دعم الأسرة، وصولاً إلى تطوير المساحات العامة. وقد توّجت هذه الجهود بتحسن ملحوظ في مؤشر السعادة العالمي (World Happiness Report 2025)، حيث احتلت المملكة المركز 32 عالميًا مع درجة سعادة تصل إلى حوالي 6.59، إلى جانب ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى 79.7 عامًا، مما يعكس أثر هذه السياسات الهادئة على الرفاهية اليومية والاستقرار الاجتماعي. هذه التدخلات، رغم بساطتها الظاهرية، عملت بعمق على حياة الأفراد اليومية وأسهمت في بناء مجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً.
وفي النهاية، قد لا تتصدر السياسات الصامتة المشهد الإعلامي، لكنها تصنع الفارق الحقيقي في حياة الناس. فحين تُدار القرارات الصغيرة بوعي اجتماعي، ضمن إطار رؤية 2030، فإنها تعزز الاستقرار الأسري، وتقوي النسيج الاجتماعي، وتضع الأساس الصلب لتنمية مستدامة تحقق طموحات المملكة، وتبني مستقبلاً مزدهراً للأجيال القادمة بهدوء وثقة.
ففي كثير من الأحيان، تصنع السياسات الاجتماعية الأكبر الأثر الأعمق، حين تُدار بعناية في التفاصيل، وتُلامس حياة الناس بهدوء، وتبني الاستقرار خطوة بعد خطوة.
** **
- متخصصة في السياسات والتخطيط الاجتماعي