د.محمد بن عبدالرحمن البشر
أدباء العصر المرابطي والعصر الموحدي في الأندلس، يعتبر امتدادًا لما زخرت به الساحة الأندلسية من أدب متنوع ومميز، ويبدو أن الانفتاح الفكري والطبيعة الخلاَّبة قد أتاحت الفرصة للإبداع في ميادين كثيرة ومنها الشعر، الذي تنوَّعت أغراضه، من مدح، وهجاء، ورثاء، وحب، ووصف للطبيعة، ولا شك أن المدح نال حيزًا كبيرًا من شعر الشعراء رغبة في العطاء، والتقرّب من الحكام، والوزراء، ومن في حكمهم بينما لم يأخذ الشعر المتعلِّق بالحكمة، والتواصل الأخوي نصيبًا كافيًا مقارنة بغيره، أما الشعر السياسي فكان محدودًا لم يمسه إلا القليل من الشعراء مثل السميسر.
ولعلنا في هذه العجالة نقف عند شاعر من شعراء الأندلس المميزين وهو ابن خفاجة أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح الشاعر الأندلسي، الذي عاش في جزيرة شقر في نواحي بلنسية في الطريق إلى شاطبة، في سنة أربعمائة وخمسين للهجرة، وتوفي بها سنة خمسمائة وثلاثة وثلاثين، رغم ترحاله الكثير، لكنها البلدة التي أحبها، كما أحبها ذووه وأجداده، وقد أنتجت هذه البلدة الكثير من الشعراء والعلماء في جميع العلوم، وكانت إحدى المنارات المضيئة في فترة حرجة من التاريخ الأندلسي، وقد تعاقب على حكمها الكثير من الولاة التابعين لحكام عصور متعاقبة.
وهو رجل فيما يبدو طيب القلب، لكنه لم يخل من كارهين أو حاسدين من منافسين وغير منافسين، وقد لام أحد أصحابه على مجالسته رجلًا لا يوده، غير أنه لم يصرح باسمه ربما تادبًا، فقال:
يقاس المرء بالمرء
إذا ما المرء ماشاه
وفي الشئون الشئ
علامات واشباه
ثم قال: مالك والعترة الفلانية، إنما هم أجناس كلهم أنجاس، إلا الشاذ فيهم، والنادر منهم، وقليل منهم، أما فلان منهم فهو الخبيث عينه، ثم قال:
أطلس يخفي شخصه غباره
في شدقه شفاره وتاره
لكنه لم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل في ذم ذلك الرجل، في كلام يطول ومن ذلك قوله:
ما شب حتى سب، ولا نفث حتى رفث، ولا زر له ثوب إلا على عيب، ولا يغرنك لين أعطافه، ولدونة كلمته، فإن الحيَّة لينة الملمس، لدنة المجس، فهو يحفظ ما يلفظ، ويلتقط ما يسقط، فاستعذ بالله من شيطانه، وتوق من موبقات أشطانه.
وله ابن أخت اسمه ابن الزقاق، وقد كان شاعراً فحلاً عاش في بلنسية مثله، لكنهما عاشا في زمن ساد فيه الاضطراب السياسي، والتحولات الكبيرة، وتساقط حكام الطوائف، والتمازج بين حاكمها ذو النون واحد القادة الإسبان، المسمى القيطور الذي بلغ له شأن كبير، كما قدم المرابطون المنقذون بادئ أمرهم، وكانت بلنسية تحف بها أشجار الكروم، والأشجار الأخرى حتى لا يكاد القادم إليها رؤيتها من كثرة ما يحيط بها من تلك الجنان الخضراء النضرة، فقال فيها:
كأنّ بلنسيةً كاعبٌ
وملبسها سندسٌ أخضر
إذا جئتها سترت نفسها
بأكمامها فهي لا تظهر
ما أجمل هذا الوصف البديع لمدينة كانت مزهرة زاخرة بكل حسن، تحمل على أرضها علماء وشعراء أفذاذ.