د. تنيضب الفايدي
اللغة العربية من أقدم اللغات الحيّة في العالم، ومع أنها تعرّضت لهجمات شرسة من قِبل الأعداء، خاصةً في زمن الاستعمار حيث فرضوا عدم استخدام اللغة العربية وتغيير حروفها بالحروف اللاتينية فهي باقية إلى الآن بكلّ مستوياتها (صوتية - صرفية - نحوية - دلالية) وبدون أي ضعف، بينما هناك الكثير من اللغات لا حصر لها ماتت واندثرت أو ضعفت إلى درجة يصعب فهمها، فأين اللغة الفينيقية الآن (لغة أهل اليابان قديماً) وأين اللغة السنسكريتية (لغة قديمة للهندوسية) وأين اللغة الآشورية، وغيرها من اللغات مثل: العبرية واليونانية واللاتينية والسومرية والأكادية واللغة المصرية القديمة، حتى اللغة الإنجليزية (لغة الحضارة المعاصرة) فنصوص الإنجليزية القديمة التي كانت تقرأ وتكتب قبل قرنين أصبحت صعبة على الفهم بالنسبة للإنجليزية المعاصرة، ولعلّ هذا التغير هو الذي دفع علماء هذه اللغة إلى إعادة صياغة النصوص الأدبية المهمة عندهم، مثل نصوص شكسبير بإنجليزية حديثة يفهمها المعاصرون بدلاً من الإنجليزية القديمة.
أما اللغة العربية فمع أنها قديمة حيث مرت عليها عدة قرون فهي محفوظة وباقية تنطق وتكتب وتفهم بين الناس في أكثر من دول في العالم، والعجب كلّ العجب مع مرور هذه الحقبة الزمنية الطويلة لم يطرأ عليها أيّ ضعف، فمثلاً قوله تعالى: {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، هذه الآيات إذا يقرأها أيّ قارئ عربي في هذا الزمن ويفهم معانيها بدون أيّ إشكال أو صعوبة ويعرف المعنى المقصود بهذه النصوص.
وكتب السنة النبوية كلّها موجودة في اللغة العربية تفهم وتكتب ولا يحتاج إلى إعادة الصيغة كما هي الحال بالنسبة للغة الإنجليزية القديمة، فما السرّ في بقاء اللغة العربية حيّة قوية ساطعة تنبض بالحيوية والنشاط حتى الآن كما كان سابقاً. الجواب: ما ذلك إلا بفضل القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه فحفظ به اللغة التي نزل بها، ولم يتكفل بحفظ غيره من الكتب المقدسة فبادت اللغة التي نزلت بها واندثرت.
لهذا، نرى بأن اللغة العربية، ولله الحمد موجودة ومحفوظة مع أنها مرت عليها قرون عديدة وستبقى إن شاء الله على مدّ الدهر ما دام هناك قرآن يتلى، وقد تكفل الله تعالى له بالحفاظ من كلّ تحريف أو تزوير فقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} سورة الحجر الآية (9)، فبحفظ الله تعالى كتابه يحفظ اللغة العربية، فهي باقية ببقائه إلى يوم الدين.
فبقاء اللغة العربية بنفس القوة السابقة يعتبره الكاتب معجزة تدلّ على صحة القرآن وصحة ما جاء من النبي صلى الله عليه وسلم.
القرآن الكريم هو كتاب الله سبحانه وتعالى نزل به الروح الأمين على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور وهو محفوظ من كلّ مس أو تحريف، وقد شرّف الله اللغة العربية أن جعلها لغة القرآن الكريم ولسان وحيه، فتفردت هذه اللغة عن غيرها من اللغات بارتباطها بكتاب إلهي حيث لم تحظ أي لغة غيرها بهذه الصفة، وقد وردت آيات كثيرة تفيد تلازم القرآن الكريم باللغة العربية، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} سورة يوسف الآية (2). وقوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} سورة الشعراء الآية (195). وقوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} سورة فصلت الآية (3). هذه الآيات ومثلها الآيات الأخرى تظهر تلازم القرآن باللغة العربية، ومن هنا نعرف دور القرآن الكريم في الحفاظ على هذه اللغة؛ لأن القرآن الكريم هو أفصح كتاب من حيث البلاغة والتأثير في النفوس والقلب، سواءً حين يتحدث عن عبادة الله الواحد الأحد وعظمته وجلاله، أو عن خلقه للسماوات والأرض، أو عن البعث والنشور، أو حين يشرع للناس حياتهم، فهو مفخرة العرب في لغتهم.
إن القرآن الكريم يعدُّ أرقى الكتب العربية لغوياً ودينياً من حيث البلاغة والبيان والفصاحة، وهو واضع النثر الفني ومنبع المعاني والأساليب والمعارف التي شاعت في أدب ذلك العصر، نزل بأسلوب بديع ما استطاع أحدٌ أن يأتي مثله ولو بآية واحدة، تحدّى العرب كلهم أن يأتوا بمثله ولو آية واحدة فما استطاعوا.
فالقرآن أكبر معجزة أعطي للرسول صلى الله عليه وسلم لبيان صدق نبوته، كما أن القرآن الكريم حافل بالإشارات العلمية الكونية حيث تتناول الجانب العلمي الفيزيائي على لسان نبي أمي لم يكن يقرأ أو يكتب، كما لم يكن يختلف قبلها إلى معلم أو مدرس، وللقرآن الكريم دورٌ كبير في تحسين اللغة العربية حيث أعطى سيلاً من حسن السبك وعذوبة السجع ومن البلاغة والبيان ما عجز عنه بلغاء العرب. فلاشكّ أن القرآن والحديث قد أثرا في العربية تأثيراً بليغاً.
إن القرآن الكريم لا يزال كالطود الشامخ يتحدى كل المؤثرات والمؤامرات التي حيكت وتحاك ضد لغة القرآن، ويدافع عنها، ويذود عن حياضها، يقرع أسماعهم صباح مساء، وليل نهار بقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} سورة البقرة الآية (23-24)، وقوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} سورة الإسراء الآية (88).
إن أكثر اللغات أصيبت على مرّ الزمن ولأسباب متعددة أصيبت بأمراض كثيرة أدت إلى التغير أو التبدل أو الضعف أو الانهيار أو الاضمحلال أو الضياع أو النسيان أو حتى الموت ثم الاندثار، لكن اللغة العربية مع أنه مرّ عليها عقد من القرون حافظت على أصلها وطبيعتها دون أي ضعف أو تغيير أو تبديل والفضل يرجع فيه إلى الكتاب العربي المبين الذي هو أول كتاب ظهر في تاريخ اللغة العربية، وقد أجمع القدماء من الفصحاء والبلغاء بعد طول جدال ونقاش على وصفه بأنه ذو حلاوة وطلاوة، وأنه يعلو ولا يُعلى عليه. وهذا يعني أن اللغة العربية في مسارها التاريخي المتطاول قد ارتبطت فكرياً ووجدانياً بالأنماط اللغوية الفصيحة التي أرسى قواعدها هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم نشأت بعد ذلك حركة التدوين والتأليف في ضوءه وإشرافه وتأثرت بأسلوبه.