د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
الأصل في الجملة الفعلية المخبر بها عن المبتدأ أن تكون جملة خبرية لا إنشائية، أي يمكن وصف مضمونها بالصدق أو بضده.
وجاز أن تكون جملة الخبر إنشائية لا توصف بصدق أو بضدّه، قال سيبويه «وقد يكون في الأمر والنهى أن يُبْنَى الفعلُ على الاسم، وذلك قولك: عبدُ الله اضْربْه، ابتدأْتَ عبدَ الله فرفعتَه بالابتداء، ونبَّهتَ المخاطَبَ له لتُعرِّفَه باسمه، ثم بنيتَ الفعلَ عليه كما فعلتَ ذلك في الخبر»(1). وهذا مطّرد، قال البطَلْيَوسي(ت521هـ)، «وأجاز النحويون، بلا خلاف بينهم، (زيدٌ اضْربْه)، و(عمرٌو لا تشتُمْه)»(2). ولكن ابن مالك نسب منع ذلك إلى ابن الأنباري وبعض الكوفيين(3).
وهذا التركيب المخالف للأصل موصوف، على جوازه، بالقبح، قال الوراق(381هـ) «وَاعْلَم أَنَّك إِذا جِئْت فِيهِ بِالْأَمر وَالنَّهْي والمجازاة، فالرفع فِيهَا بعيد، كَقَوْلِك: زيدٌ اضْربْه وَزيدٌ لَا تضربْه، وَإِنْ زيدٌ تكرمْه يأتِك، وَالنّصب هُوَ الْمُخْتَار، وَالرَّفْع قبُح، وَإِنَّمَا قبُح الرّفْع، لِأَنَّهَا أَشْيَاء لَا تكون إِلَّا بِالْفِعْلِ، فبعُدت من الرّفْع»(4). ويعلل ذلك بقوله «وَإِنَّمَا جَازَ الرّفْع، لِأَنَّك بدأت بـ(زيد) وشغلت الْفِعْل عَنهُ بضميره، فَامْتنعَ من الْعَمَل فِي (زيد) فَشبه بِقَوْلِك: زيدٌ ضَربْته، إِذْ كَانَ الرّفْع لَا يُغير الْمَعْنى، واستخف إِذْ كَانَ فِيهِ إِسْقَاط تَقْدِير فعل مُضْمر، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ يجوز فِي الْأَمر وَالنَّهْي»(5). ويقصد ابن الوراق أنّ زيدًا الذي جعل مبتدأ مرفوعًا هو مفعول به معنى للفعل (ضرب)، فالتركيب في الأصل (ضربْتُ زيدًا) ولك أن تقدم المفعول به (زيدًا ضربتُ) وأن تقدمه وتشغل بضميره الفعل (زيدًا ضربته)، وهنا يقدرون لزيد فعلًا ناصبًا (ضربت زيدًا ضربته)، ويجوز أن تقدم المفعول به وترفعه للابتداء به (زيدٌ ضربته)، وبهذا الرفع يسلم من تقدير عامل، وهذا هو الاستخفاف الذي أشار إليه، ومثل ذلك يقال في جملة الأمر أو النهي أو الشرط (المجازاة)، وإن على إشكال.
ويورد الوراق الإشكال والجواب عنه، قال «فإن قال قائل: من شرط خبر المبتدأ أنه يجوز فيه الصدق والكذب، والأمر والنهي لا يجوز أن يكون فيهما، فكيف جاز أن يقعا خبرًا للمبتدأ؟ قيل: جاز ذلك بحمل الكلام على معناه، وذلك أن الأصل: اضربْ زيدًا، فإذا قدمت (زيدًا) مرفوعًا، وشغلت الكلام بضميره، فمعنى الكلام باقٍ، وإنما رفع بشبه لفظه بالمبتدأ والخبر، فلمّا وجدنا مساغ جواز رفعه، لأن فيه تقدير إسقاط تقدير الفعل المضمر، جوزنا رفعه، وحمل في الحكم على معناه»(6).
وقد يفهم من قوله أنَّ المرفوع في (زيدٌ اضربه) مبتدأ في اللفظ مفعول به في المعنى، ولو اطلع عبدالقادر المهيري رحمه الله على هذا لاقتبسه حين أعرب جملة (الزائرُ حييتُه) بقوله «الزائرُ: مفعول به بدئ به مرفوع، حييت: فعل مسند إلى المتكلم، ه: ضمير رابط بين الفعل والمفعول به المقدّم»(7).
وعبدالقاهر الجرجاني (471هـ) وصف التركيب بأنه ليس بمستحسن لأن فعل الأمر ونحوه لا يقع موقع الاسم(8)، يذهب إلى الرفع بالحمل على المعنى؛ ولكن يختلف عن ابن الوراق فهو يلجأ للتقدير ليصح له التفسير، قال «والوجه الثاني: أن يكون محمولًا على المعنى، وذلك أنَّ معنى قولك (اضْربْهُ): أُوجِبُ عليكَ ضربَهُ. وإذا قلتَ (زيدٌ أُوجِبُ عليكَ ضربَه) كان خبرًا، فلَمّا تُصُوِّرَ فيه هذا المعنى استُجيز أن يكون (زيد) مبتدأً، و(اضْرِبْهُ) في موضع خبره، كما كان (ضربْتُهُ) في قولك: زيدٌ ضربْتُهُ»(9).
وعبدالقاهر الجرجاني يسعى إلى تعميم قاعدة نمط جملة الخبر، فجعلها خبرية بهذا التقدير، ولابن يعيش تخلّص آخر سلم فيه من التقدير قال «والرفع جائزٌ على الابتداء، والجملةُ بعده سدّتْ مسدَّ الخبر. وإنّما قلنا: سدّت مسدّ الخبر؛ ولم نقل: الخبرُ؛ لأن حقيقةَ الخبر ما احتمل الصدْقَ والكذْبَ، وذلك معدوم في الأمر والنهي»(10).
وأميل إلى قول ابن الوراق موافقًا أستاذنا عبدالقادر المهيري، ففي جملة (زيدٌ اضْرِبهُ) أقول (زيد) مفعول به وهو مرفوع لفظًا لأنه مبتدأ به.
وبالجملة فإنك إن أردت الأمر بدأت بالفعل (اضرب زيدًا)، ثم لك أن تقدم المفعول به (زيدًا اضرب)، وقد تقدمه وتشغل فعله بضميره (زيدًا اضربه) وقد ترفعه (زيدٌ اضربه)، وآخر إمكان هو أن تحذف الضمير الرابط (زيدٌ اضرب)، قال ابن يعيش «فإن حذفتَ الهاء وأنت تريدها، فقلت: (زيدٌ ضربتُ) جاز عند البصريين على ضُعْفٍ، لأن الهاء، وإن كانت محذوفة، فهي في حكم المنطوق بها. قال الشاعر [من الرجز]:
245 - قد أصبحتْ أمُّ الخِيار تَدَّعِي ... عليَّ ذَنْبًا كلُّه لم أَصْنَعِ» (11)
على أن إجازة البصريين لا تعني سوى كونه مقبولًا في اللغة؛ ولكن لا يجوز أن يقاس عليه فليس من اللغة المشتركة
(1) الكتاب لسيبويه، 1/ 138.
(2)رسائل في اللغة لابن السيد البطليوسي، ص: 383.
(3) شرح التسهيل لابن مالك، 1/ 309.
(4) علل النحو للوراق، ص313. والمثال الثالث جار على جواز إعراب الاسم الفاصل بين الأداة والفعل مبتدأ، وهو قول ذكره الأخفش في كتابه معاني القرآن بتحقيق قراعة، ص 354.
(5) علل النحو للوراق، ص313-314.
(6) علل النحو للوراق، ص 314.
(7) نظرات في التراث العربي لعبدالقادر المهيري، ص 51.
(8) كتاب المقتصد في شرح الإيضاح، للجرجاني، 1/ 252.
(9) كتاب المقتصد في شرح الإيضاح، للجرجاني، 1/ 253.
(10) شرح المفصل لابن يعيش، 1/ 413.
(11) شرح المفصل لابن يعيش، 1/ 401.