أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
للإنجاز طعمٌ خاص، يعرفه مَن ذاقه بعد طول سعي، ويشعر به مَن قطع الطريقَ خطوةً خطوةً حتى استقام له المسار، يتكوَّن هذا الطعم في النفس على مهل، ويستمد قيمته من عُمقه واستمراره، بعيداً عن اللمعان السريع والانفعالات العابرة، وينمو مع الزمن، ويترسّخ كلّما اقترب الإنسان من غايته وهو واعٍ بثقل الرحلة ومعناها.
الإنجاز تجربةٌ مركّبة، تتداخل فيها المشاعر والأفكار، ويتجاور فيها التعبُ والرضا، ويصير الجهدُ نفسه جزءاً من المتعة، فالغاية التي تُنال بسهولة تظل محدودة الأثر، أما الغاية التي تُبنى بالصبر والمثابرة، فإنها تترك في النفس أثراً عميقاً يتجاوز لحظةَ الوصول، هنا يصبح الإنجاز حالةً من الامتلاء الداخلي، يشعر فيها الإنسان بأنَّ ما بذله من وقتٍ وجهدٍ لم يذهب سدى، وأنَّ المعنى الذي لاحقه طويلاً قد استقرَّ أخيراً في مكانه.
في مسار الإنجاز تتغيّر علاقةُ الإنسان بالوقت، فالأيام التي كانت ثقيلةً في بدايتها تصبحُ لاحقاً شواهد على الصبر، والساعات التي امتلأتْ بالمحاولة والخطأ تتحوّل إلى رصيدٍ معنويٍّ يمنح الثقةَ والطمأنينة، وحين يلتفتُ الإنسانُ إلى الخلف، يرى أنَّ الرحلة نفسها كانت جزءاً أساساً من النتيجة، وأنَّ الطريق علّمه ما لم تكن الغايةُ وحدها قادرةً على تعليمه.
ولعل أجمل ما في لذّة الإنجاز أنها تمنح صاحبها شعوراً بالانسجام الداخلي، فالعناءُ الذي تحمّله، والشكوكُ التي راودته، والتردُّدُ الذي واجهه، كلها تجدُ موضعها في هذه اللحظة، وتتحوّلُ إلى عناصر مكتملة في صورةٍ واحدة، هنا يشعر الإنسان بأنَّ جهده كان في مكانه، وأنَّ طاقته ووقته وخياراته التقتْ عند نقطةٍ ذات معنى.
هذه اللذّة تتجاوز راحةَ الجسد، لتمتدَّ إلى راحةٍ أعمق، راحة المعنى، إحساس بأنَّ المسار كان صادقا، وبأنَّ الغاية استحقّت هذا العناء، وبأنَّ الذات لم تكن غائبة عن الرحلة، لذلك يحمل الإنجاز في جوهره بُعداً أخلاقياً خفيّا؛ فهو مكافأةٌ على الالتزام، وعلى الاستمرار حين كان التراجع ممكنا، وعلى الإيمان بقيمة الهدف حين بدا الطريق طويلا.
كما أن للإنجاز أثراً بالغاً في تشكيل وعي الإنسان بذاته، فمَن يحقّق غايةً بعد جهد، يُعيدُ تعريف قدرته على الاحتمال، ويكتشف حدوداً جديدةً لإرادته، يتجلّى هذا الاكتشاف في لحظة السكون التي تلي الوصول، حين يهدأ الضجيج، وتبدأ المعاني بالوضوح، كما يظهر في الثقة التي تسكن النفس، وفي النظرة المختلفة إلى التحدّيات القادمة، الإنجاز الحقيقي يحمل طاقةً مضاعفة؛ فهو يختتم مرحلةً مكتملة، ويفتح في الوقت نفسه مساحاتٍ جديدة للفعل والتفكير.
هنا تتجاوز لذّة الإنجاز حدود الفرد، لتنعكس على علاقته بالعالم مِن حوله، فالشخص الذي ذاق معنى الوصول بعد تعب، يتعامل مع الجهد الإنساني بتقدير أعمق، وينظر إلى محاولات الآخرين بعين أكثر تفهماً، فيصبح أكثر صبراً، وأكثر وعياً بأنَّ النتائج تحتاج إلى زمن، وأنَّ النضج لا يأتي دفعةً واحدة.
وحين تهدأ نشوة الوصول، يبقى أثر الإنجاز حاضراً في التفاصيل الصغيرة، في طريقة التخطيط، وفي ترتيب الأولويات، وفي القدرة على الصبر حين تتباطأ النتائج، هذه البقايا الهادئة هي ما يمنح الإنجاز قيمته الحقيقية، وهي ما يجعله تجربةً مستمرة، لا مجرد لحظةٍ عابرة.
إن لذّة الإنجاز في جوهرها تجربةُ تصالحٍ مع الذات، تصالح مع الجهد الذي بُذل، ومع الأخطاء التي حدثت، ومع الزمن الذي مضى، وفي هذا التصالح تنشأ نشوةٌ هادئة، لا صخب فيها، نشوةٌ تعرف طريقها إلى الداخل، وتستقرُّ هناك، وتمنح الإنسان شعوراً نادراً بالرضا والامتلاء.
لهذا يبقى الإنجاز أحد أعمق مصادر السعادة الإنسانية؛ لأنه ثمرة مسار واعٍ، ولأنه يجمع بين التعب والمعنى، وبين السعي والطمأنينة، وبين الحركة والسكون، وحين يتحقّق يدرك الإنسان أنَّ رحلته كانت تجربةً كاملة، ذات امتداد ومعنى، تستحقُّ أن تُعاش بكل ما حملته من تعبٍ واكتشاف.
في ختام مسار الإنجاز يقف الإنسان أمام نسخةٍ أخرى من ذاته، وليس أمام هدفٍ تحقّق فحسب، حينها تتبدّل زاوية النظر، ويخفت ضجيج السعي، وتظهر خبرةٌ داخليةٌ لم تكن متاحةً في بدايات الطريق، الإنجاز هنا يتحوّل إلى وعيٍ بالقدرة، وإلى إحساسٍ عميق بأنَّ الجهد حين يُستثمر طويلًا يُعيد تشكيل صاحبه بقدر ما يُثمر عن نتيجةٍ حقيقيةٍ ملموسة.
ومع اكتمال الإنجاز، تنشأ لحظةُ استقرارٍ نادرة، يختبرُ فيها الإنسانُ طمأنينةً خاصة، مصدرها الانسجام بين ما بُذل وما أُنجز، تحضر هذه الطمأنينة دون صخب، وتتوهّج بوصفها حالةً داخليةً من الرضا الهادئ، وتحوّل التجربةَ السابقة إلى رصيدٍ طويل الأمد، عند هذه النقطة، يصبحُ الإنجازُ خبرةً قابلةً للتكرار، ويغدو الطريقُ الذي قُطِع مرجعاً داخلياً لكل مسعى لاحق.
هكذا يكتسبُ الإنجازُ قيمته الأعمق حين يتحوّل من محطةٍ إلى أفق، ومن نهايةٍ إلى استعدادٍ جديد، فالإنسان الذي ذاق لذّة الوصول بعد جهد، يحمل في داخله يقيناً صامتاً بأنَّ السير ذاته يستحقُّ أن يُعاد، وأنَّ التعب حين يُدار بوعي يمنحُ الحياةَ نكهتها الأكثر رسوخا.