صباح عبدالله
في رواية «الأفق الأعلى» لا يُقدَّم الموت بوصفه نهاية، ولا تُستَخدم الحياة كحجّة للدفاع عن البقاء، النص يتحرك في منطقة وسطى، رمادية، حيث لا خلاص كامل ولا هزيمة نهائية، هناك إنسان يُدعى سليمان، وحياة تُروى على مهل، وراوٍ يقف خارج الزمن، يراقب دون استعجال، كأنه يعرف أن كل شيء سيصل إليه في النهاية.
اختيار ملاك الموت راوياً ليس حيلة سردية ولا رغبة في الإدهاش، هو قرار جمالي ومعرفي يضع القارئ منذ الصفحة الأولى أمام سؤال أخلاقي عميق، ماذا لو كان الموت شاهداً لا قاضياً؟ ماذا لو كان أكثر صبراً من الأحياء أنفسهم؟ في هذا الموقع، يتحول الموت إلى عين ترى أكثر مما تفعل، تصغي أكثر مما تتدخل، وتكشف هشاشة الإنسان دون أن تفضحه.
سليمان ليس بطلاً تقليدياً، لا يمتلك صفات استثنائية، ولا يمر بتحولات درامية صاخبة، هو نتاج بيئة، وقرارات اتُّخذت عنه، ومسار انحدر فيه بهدوء، زواجه المبكر لا يُقدَّم بوصفه صدمة فجّة، بل كحدث عادي في سياق اجتماعي يرى في الطفولة مشروعاً مؤجلاً، لا مرحلة مكتملة، هنا تكمن قسوة الرواية، القسوة التي لا تصرخ، بل تتسلل كعادة.
تمر حياة سليمان كما تمر أيام كثيرة في الواقع، عمل، بيت، زوجة، تكرار، لا توجد كارثة كبرى يمكن الإمساك بها، ولا مأساة واحدة تصلح عنواناً، التآكل يحدث ببطء، على مستوى الإحساس لا الحدث، وهذا ما يجعل النص قريباً ومقلقاً في آن، القارئ لا يواجه حياة أخرى، بل يرى انعكاس حياة مألوفة، وربما حياته الخاصة، وقد جُرِّدت من الزخرفة.
الرواية لا تحاكم الشخصيات، ولا تسعى إلى تبرئتها، الأم التي اتخذت قرار الزواج، الزوجة التي عاشت في الظل، المجتمع الذي صمت طويلاً، جميعهم يُقدَّمون كجزء من منظومة لا أفراد أشرار، هذا الحياد الظاهري هو ما يمنح النص ثقله الأخلاقي، لا يوجد اتهام مباشر، ولا تبرير سهل، توجد أسئلة فقط، تُترك مفتوحة دون إرشاد.
حين تظهر سمر، لا تدخل الرواية منعطفاً رومانسياً تقليدياً، حضورها يشبه نافذة تُفتح فجأة في غرفة مغلقة منذ سنوات، لا تغيّر الماضي، ولا تمحو ما كان، لكنها تُعيد تعريف الحاضر، الحب هنا ليس خلاصاً، هو إدراك متأخر لإمكانية كانت موجودة دائماً ولم تُلمس، وهذا الإدراك يحمل معه فرحاً خافتاً، مصحوباً بندم صامت.
العلاقة بين سليمان وسمر لا تُبنى على وعود كبيرة، لا أحلام مستقبلية ولا خطط للهروب، هي علاقة لحظة، إحساس، اعتراف داخلي بأن القلب لم يمت كما كان يُظن، الرواية تتعامل مع هذا النوع من الحب بحذر شديد، كأنها تخشى أن تفسده بالمبالغة، تتركه صغيراً، هشاً، قابلاً للانطفاء في أي وقت.
الزمن في «الأفق الأعلى» ليس خطاً مستقيماً، هو طبقات متراكبة من الذكريات، الندم، الاحتمالات التي لم تُختبر، ملاك الموت، بصفته راوياً، لا يستعجل السرد، يعرف أن النهاية مضمونة، لهذا يسمح للتفاصيل أن تأخذ وقتها، هذا البطء ليس ضعفاً إيقاعياً، هو جزء من فلسفة النص، الحياة، كما تُقدَّم هنا، لا تُعاش بسرعة، تُستهلَك ببطء.
اللغة تميل إلى الاقتصاد دون جفاف، الجمل لا تتباهى بنفسها، ولا تحاول أن تكون شعرية قسراً، هناك وعي واضح بأن الفكرة أثقل من الزينة اللغوية، ومع ذلك، تتسلل جماليات خافتة بين السطور، جماليات تعتمد على الصمت أكثر من القول، وعلى ما يُترك غير مكتوب بقدر ما يُكتب
أحد أكثر جوانب الرواية إثارة للتأمل هو تعاملها مع فكرة الاختيار، هل كان سليمان قادراً على أن يكون شخصاً آخر؟ هل امتلك في أي لحظة فرصة حقيقية للتغيير؟ النص لا يقدّم إجابة قاطعة، يضع القارئ أمام شبكة من الظروف التي تُضيّق هامش الإرادة دون أن تلغيه تماماً، هذا التوتر بين الحتمية والحرية يظل حاضراً حتى الصفحة الأخيرة.
ملاك الموت، رغم موقعه المفترض، يبدو أحياناً أكثر إنسانية من البشر، يراقب، يتأمل، يتساءل، لا يسخر بقسوة، ولا يتعاطف بإفراط، وجوده يذكّر بأن النهاية ليست عقاباً ولا مكافأة، هي جزء من النظام، نقطة تساوي بين الجميع، هذا الإدراك يمنح الرواية نبرة فلسفية هادئة، بعيدة عن الوعظ أو الاستعراض
«الأفق الأعلى» لا تبحث عن إجابات نهائية، لا تقول للقارئ كيف يعيش، ولا تمنحه وصفة للنجاة، هي رواية تُراكم الإحساس، تضعك أمام مرآة غير مريحة، ثم تتركك وحيداً مع ما رأيت، قوتها تكمن في هذا الامتناع عن الإغلاق، في قدرتها على أن تكون تجربة فكرية وعاطفية في الوقت نفسه.
في النهاية، لا يخرج القارئ من الرواية مثقلاً بالحزن، ولا محمّلاً بالأمل الساذج، يخرج بإحساس أعمق بالوقت، وبسؤال معلّق عن الحياة التي نعيشها دون أن ننتبه، «الأفق الأعلى» ليست رواية عن الموت كما يبدو من راويها، هي رواية عن ذلك الجزء الصامت من الحياة، الجزء الذي يمضي دون ضجيج، ثم يطالبنا فجأة بأن ننظر إليه بصدق.