حامد أحمد الشريف
أكثر ما استوقفني بداية في رواية «الشبورة» للكاتب السعودي أحمد الشدوي التي تقع في 253 صفحة من القطع المتوسط والصادرة عن دار المناهل، هي الصعوبات التي نمر بها في سياق الحكاية السردية، وأظنها اعتُمدت كأساس بنيت عليه كامل السردية ولم تأتِ اعتباطًا، فـ«حامد» الرباعي واجه صعوبة في ممارسة الحياة بالصورة التي كان يمارسها «غالب» وقت شبابه، فتعلق بهذا الأمر وجعله هدفًا له، واجتهد كثيرًا للوصول إلى ذات النتائج، وترتب عليه أيضًا تنامي رغبته في الانتقام من «غالب»، ظنًّا منه أنه لم يجد الصعوبة التي وجدها هو عندما حاول اقتفاء أثره، أو لأن الطريق في ظنه كان سالكًا أمام منافسه الوهمي «غالب» من دون أسباب منطقية تبرر ذلك، أي أننا أمام اقتراب وتفاصيل متكشفة تسببت في ضغينة واستشراء للحقد، دفعت لسلوكيات انتقامية نتيجة العجز عن المقارعة والتفوق، أو لنقل إن الصعوبات هنا خلقت حالة سلبية، ذهبت باتجاه إيقاف الطرف الأخر وتعطيله بدل الاجتهاد للحاق به وتخطيه، وخلاصة القول إن قيمة الأفعال داخل العمل السردي ارتبطت بهذه الفكرة البنيوية الأساس، رصدناها في أكثر من موضع كقوله ص196: (كنت أشاهد ما يجري في الشقة الواقعة بالدور الرابع، في بدايات الثمانينات من القرن الماضي. يومها كنت أنت طالبًا في الجامعة، تسكن شقة أنيقة في العمارة المقابلة، الشقة التي تسكنها آمال اليوم. أنا كنت تاجرًا متجولًا أو متسولًا لا فرق بينهما كثيرًا، أسكن شقة في بدروم البناية رقم 63،) انتهى كلامه.
ويمكن رصد ذلك أيضًا في أزمنة الحكاية المروية الخارجية، التي امتدت لخمسة عقود تقريبًا وتنوعت بين زمن السرد الداخلي الحالي الذي تجسد في لقاء غالب بحامد واجتماعهما في فيلته، وإدارتهما للحدث الآني بكل تفصيلاته، وزمن الصراعات القديمة التي يتم العودة إليها طوال مساحة السرد. ولم ينفك المؤلف عن إدارة الصراع خلال هذه المدة الزمنية الطويلة نسبيًا والتقاطع معها من بداية السرد حتى نهايته، وهو زمن الحدث الأساس القديم الذي أشعل الحدث الآني وألقى بظلاله عليه.
والرواية لعبت على هذه الأزمنة طوال السرد وهنا يمكننا رصد الصعوبة المتحكمة في القيمة بشقيها السلبي والإيجابي، بمعنى أن زمن السرد الداخلي القديم حمل قيمة كبيرة وألقى بظلاله على زمن السرد الداخلي الحديث وتحكم بمفاصله، وحُمل بنقاط تبئير متعددة احتاجها العمل.
ويحسب لهذا التعالق الزمني الجميل؛ تفسير شيوع تعلقنا بالماضي وربط هذه الحميمية الوجدانية بانقضائه وصعوبة أو استحالة العودة إليه.
وكان ذلك ظاهرًا في كل أحداث العمل، أو لعلنا نقول إنه أطلقَ شرارة هذا العمل الإبداعي، فالبداية حملت هذا المعنى في وصف حالة «غالب» الذي انقطع عن الدنيا في وقت ما يزال متعلقًا بسبب انقطاعه عنها. يمكننا ملاحظة ذلك في وصفه ص7 يقول: (وكلما عاد بصره من الأفق أرسله إلى هناك، ثم يبدأ في ابتسامة، لا أقول عنها ساخرة أو ضاحكة،) إلى أن يقول: (ومجموعة من الشباب للأسفل منه يلعبون الكرة على الإسفلت، وبعضهم يأكل الذرة المشوية، يشيرون لبعضهم ناحيته.) انتهى كلامه.
وكما يظهر هنا فإن تعدد الأزمنة الداخلية واستخدامها كسيميائيات تربطنا بزمن الحكاية الخارجي الذي ترك دون تحديد دقيق، شكل بالتأكيد صعوبة كبيرة في السرد. فالتنقل بين كل هذه الأزمنة بارتباطاتها المكانية وصراعاتها وشخوصها؛ لم يكن بالأمر الهين، في وقت شكل قيمة كبيرة ارتبطت بخوض الصراع الفهمي معها. هذه القراءة وصلتنا بالتأكيد من المشهد السابق الذي تضمن مرحلتين عمرية زمانية بين كهولة «غالب» واليافعين الذين وجه بصره إليهم. وأتت الابتسامة غير المفسرة لتشير إلى قيمتها، وكأننا أمام صعوبة اشتعلت على شفاهه تطلب منا الاشتغال عليها ومحاولة معرفة مدلولاتها.
هذه الابتسامة الدلالية المهمة يمكننا النظر إليها من زاوية أخرى ستأتي لاحقًا عندما تدفعنا لتحري حكاية هذا الرجل السعودي الذي فقد عقله وتاه في شوارع دمشق، وشكل هذا المشهد المنفصل عن سياقات الحكاية الأساس؛ نقطة الانطلاق التي قررها المؤلف.
والصعوبات الإبداعية التي نتلمسها في هذا العمل أتت كذلك بشكل منفصل بعبارات أو مشاهد دلالية ذات مغازٍ عميقة، واستطاعت دفعنا للاقتراب أكثر والوصول إلى القيمة المضمرة داخل النص، نرصد ذلك في وصف الحكاية الأساس «الشبورة» بطريقة فلسفية غير واضحة تشعرك بصعوبة فهمها إلا عند انتهائك من قراءة كامل العمل كما يظهر في قوله ص10: (هناك في منطقة غبش الإدراك تتفلت الأحداث من الذاكرة، تحطم قيودها من آخر خلية تحفظها، وفي المشراف الأخير تنـز منه... تنطلق... تدخل في اللاشيء المطل بقوة على بدايات تخوم النسيان، تبقى الرائحة فقط... رائحة تشي بوجود ذكرى... ذكرى غير مدركة، يعرفها بالرائحة ولا يمكنه استنطاقها، تزن كبرغوث لا تراه، يغير اتجاهه ألف مرة بالدقيقة.) انتهى كلامه.
وكما يظهر هنا فإن العنوان خلق أيضًا هذه الصعوبة المحفزة على القراءة باقتصاره على مفردة واحدة هي «الشبورة» التي يصعب توقع عمق ارتباطها بالسردية مبكرًا رغم أننا لا نجهل معناها اللغوي والاصطلاحي فهي تشير إلى بخار الماء المتكثف بشكل جزئي مما يعيق الرؤية في الصباح ويضع حجابًا شبه شفاف يحول بيننا وبين الرؤية الصحيحة ولكنه لا يفقدنا الرؤية تمامًا، أي أنه اعتمد نفس الفكرة التي نحن بصددها بخلق الصعوبة المحفزة، ومنحك الجائزة القيمة عند اجتيازها. فانعدام الرؤية تمامًا يصرفك عن متابعة الحدث بينما الرؤية الجزئية تدفعك للمثابرة والتعلق بالحدث التالي لإمكانية الوصول إليه، خاصة أن الضباب الصباحي سينقشع لاحقًا مع اشتداد وهج وحرارة الشمس، أي أن الأمل لا ينقطع رغم طول الانتظار المرتبط بمقاومة الشبورة، ونزاعها الوجودي مع الشمس. وكل ذلك يشير إلى صراع لا وقت محدد لنهايته، ويصب في الفكرة نفسها التي أحدثكم عنها، ويمكن قراءتها في بداية الاستشهاد السابق: (هناك في منطقة غبش الإدراك تتفلت الأحداث من الذاكرة،) انتهى كلامه.
ما يعنى أنه فسر لنا الشبورة وسبب اختيارها عنوانًا لسرديته ولكن بطريقته المموهة التي تتمنع عليك في وقت تُظهر لك رغبتها في اقترابك.
وخلاصة القول فإن الحكاية كلها تدور بين زمنين يتصارعان وتضيع الحدود الفاصلة بينهما وإن لم يُذكر ذلك صراحة وتُرك لفطنة القارئ. ومن خلال فهمه لهذا المعنى وربطه بالعنوان ستتشكل لديه صعوبة محفزة تدفعه للاقتراب أكثر من السردية محاولًا الوصول لمرامي المؤلف، وإن ساعده بعبارة سيميائية ذات دلالة شبه واضحة لا عذر لمن جهلها، أتت في الاستشهاد السابق في قوله: «تفلت الأحداث من غبش الإدراك».
إن الصعوبة التي اعتمدت في تدوين هذه السردية، رصدت أيضًا في التنقل بين الأزمنة بدون فواصل واضحة، فقد تجد نفسك في نفس اللحظة تعيش الزمنين ويصعب عليك التمييز بينهما مما يدفعك للتركيز أكثر حتى لا يلتبس عليك الزمن، وإن فعلت ستتحصل على النتيجة المرجوة، بالانغماس أكثر في الحكاية والاستمتاع بكل تفاصيلها.
ويمكن رؤية ذلك في قوله ص91: (وقفت أمام الباب أترحم عليها، فهي اليوم في ملكوت الله. ذات مرة كانت واقفة على الباب وجهها متجهم على غير العادة، أعرف ذلك من مبسمها الملائكي ذاك. قالت:
غالب، البارحة ليلًا كان اللواء جلال يتفقد الشقة التي بجوارك في الدور الرابع بعد أن أخلاها المستأجر، وتفاجأ بصعود ثلاثة من العساكر من قسم ألماظة،.... الخ) انتهى كلامه.
هذا الحوار أتى في صفحة ذكر فيها عددًا من الشخوص والأحداث ما بين زمن السرد الحالي وزمن الصراع القديم وتنقل فيها السارد بين صاحبة الشقة «مدام نيرة» ووالدته ووالده المتشدد دينيًا، واللواء الحاضر بشخصيته الاعتبارية وقوته السلطوية، وآمال صاحبة الشقة. ما يجعلك قد تتوه بين كل هذه التعالقات الزمانية المنصهرة كليًا. وهذا لم يكن حصرًا على هذه الصفحة فقط بل كان ديدن كل السردية من بدايتها حتى نهايتها، فكانت الأحداث والصراعات تدور بالفعل خلف ضباب وشبورة تخفي إلى حد ما أزمنتها وتخلق صعوبة تفضي لقيمة سردية عالية.
وبالعودة إلى هذا الحوار فإن الصياغة كما يظهر تتجرد من الزمن وتظهر حوارًا آنيًا بأدق تفاصيله. وهي الصعوبة الزمانية التي لم تنفك عن مصاحبتك طوال العمل، وتضفي على السرد قيمة تشويقية أكبر، وإن ارتبطت بصعوبة القراءة ومكدتها التي تجعل ذهنك حاضرًا باستمرار، وكان المؤلف قد صرح أيضًا بهذه الثيمة المرتبطة بالزمن كما فعل مع الشبورة، ولكن، بطريقته التي لا تمنحك ما تريد بالسهولة التي تتمناها، بل تشقيك قليلًا قبل الإفصاح عن كنوزها المخبأة، كالزمن الذي ورد ذكره بالأهمية التي يستحقها، ولكن، بالطريقة التي يمكن وصفها بـ الضبابية. يمكن رؤيته في قوله ص150: (- تعرف يا غالب، الكون كله يمر داخل الزمن، وليس العكس. الزمن خيمة كبيرة لا نراها، لأننا قطعة صغيرة داخلها. عيوننا لا تملك الإبحار في المدى لنرى أشرعة الخيمة.) انتهى كلامه.
وهذا بالطبع يشير بوضوح إلى أن التلاعب بالزمن لم يأتِ اعتباطًا أو في سياقات سردية غير مقصودة، بل كان أحد الألاعيب التي مارسها المؤلف في توظيفه للصعوبة القيمة الممنهجة.
وصعوبة أخرى نرصدها تقودنا إلى نفس سياق القيم، تتعلق بالشخوص ما بين أزمنة الرواية- الحالي والماضي- وهي تعد إضافة حقيقية فـ «غالب» حضر في زمنين ما يعني شخصيتين شبه منفصلتين، فالراوي المتكلم «غالب» رجل خمسيني خبر الحياة وعزف عنها بعد امتلائه منها، بينما هناك «غالب» آخر شاب عشريني متطلع يمارس الحياة باندفاع غريزي وبسلوكيات مختلفة تمامًا عن نظيره الزمني، وهو الحال نفسه الذي نقف عليه مع «حامد الرباعي» وإن حضر هنا باسمين مختلفين لذات الشخصية ترتبط بأزمنتها، فشبابه حمل اسمًا مختلفًا هو «مناور الدافئ». وهي الحالة نفسها التي نرصدها مع آمال عبدالعاطي ومع علياء، فكلاهما أحضرتهما السردية بزمنين وشخصيتين مختلفتين، وتفاصيل دقيقة تتعلق بالحقبتين العمرية الخاضعة للتأثيرات الزمانية والمكانية والاجتماعية.
وهذه أيضًا قيمة ارتبطت بصعوبة ما تتعلق بالكتابة السردية، فالتحولات الزمانية والمكانية والاجتماعية والاعتقادية المنعكسة على الهيئة والشكل والسلوك، مرصودة داخل العمل بدقة، مما يشكل مطبات إبداعية تخلق قيمة إضافية يكافأ بها القارئ المثابر، وهذه ترتبط أيضًا بالتلقي الجيد، إذ إن على القارئ أن يجيد هو الآخر التنقل بين الشخصيتين المختلفتين لذات الإنسان بعد تأثرها بالزمن بشقيه السلبي والايجابي، وهي تقنية سردية أعجبتني كثيرًا وأظنها أتت ضمن الأسباب التي رفعت من قيمة الرواية رغم بعض الملاحظات التي سنأتي على ذكر شيء منها لاحقًا.
يمكننا رؤية كل ذلك مختصرًا في موقف واحد أظن المؤلف استخدمه كسيميائية تعين القارئ على معرفة سر من أسرار العمل الإبداعية، إذ أظهر كل التفاصيل التي نوهت عنها سابقًا. يقول ص60: (حينما دلفت من المدخل الكبير للصالة المغلقة حدقت فيها وهي تناول العامل معطفها ونظارتها الشمسية. لم أجد أثرًا بسيطًا لآمال في وجه أو جسم تلك المرأة.
أدرت وجهي ناحية المدخل الكبير للساحة، سمعتها تطلب اثنين نسكافيه. قالت: واحد سكر وسط والثاني سكر وسط، ماهو كله هجص في هجص، وهات معاك قزازة ميّه، أصلوا الراجل شرقان يا عيني. عرفتها.. هي آمال بصوتها وجرأتها وشخصيتها المغامرة، بينما عدا ذلك فهي امرأة أخرى.) انتهى كلامه.
من الصعوبات التي تبنتها هذه السردية أيضًا، الصراع بين الخير والشر اللذين أقحما في تعدد الأزمنة والحقب العمرية لذات الأشخاص بتحولاتها المختلفة، ما يجعل هذه النتيجة غير محسومة، وخلق لنا شخصيات مركبة نتيجة انصهارها في أزمنة متعاقبة، ما يعني أن السلوك يتراكب بطريقة متباينة ومتناوبة، كما يحدث عادة في الواقع الحياتي، إذ غالبًا ما تتغير المعتقدات مع مرور الزمن.
والأكيد أن معتقدات الشاب وسلوكياته تختلف تمامًا عن معتقدات وسلوكيات الكهل، خلاف تحولاتها وتبدلاتها الآنية المرتبطة بنوازع النفس وصراعاتها ورغباتها، والتأثر بالمحيط الخارجي بكل تفصيلاته. فقد يظهر الإنسان في دقائق معدودة شريرًا ورحيمًا، وهذا مكمن الصعوبة التي خلقها المؤلف ونجح فيها بامتياز. ويمكن الاستشهاد على ذلك بسلوك آمال عندما وقفت مع «حامد الرباعي» وساعدته على الانتقام من حبيبها «غالب» الذي لم تتبدل مشاعرها تجاهه مطلقًا رغم مرور السنين. في وقت لم يمنعها ذلك من ممارسة شريرة لا تليق بهذه المشاعر، عندما نهضت بالدور المسند إليها برغبة تفوق رغبة الرباعي نفسه الذي أوعز لها بهذا الفعل السيء وتضرر غالب كثيرًا من قيامها به، وأمتد تأثيره للعلاقة التي تربطهما والاحترام الكبير بينهما. هذا الصراع العميق بين الخير والشر ونسبيته وظروف تشكله. تكرر في العمل بطريقة لا يمكننا النظر إليه على أنه عفوي. نراه في ص227: (نظرت إليّ، كأنها تقول أعرف ما تريد. لم تعد الشقة تثير العبق ذاك، ولم يتبقى في آمال ما يشير إليها، والذكريات التي قمنا باستعادتها قبل أيام، أصبحت تثير اشمئزازي.) انتهى كلامه. إلى أن يقول: (كدت أبصق في وجهها،) وقوله لتعميق الإحساس بهذا الاختلال الشعوري الزمني المربك في ص228: (لم يعد عندي شيء آخر لأقوله. لم يعد لآمال طعم ولا مذاق، مرارة وحلاوة لا معنى لأي منهما. كمن يشرب زيت الخروع بنكهة الفراولة. لو يخلط عليه كل النكهات، يظل دبقًا منتنًا، حتى عضلات الحلق تقاومه وترفضه.) انتهى كلامه. وكما يظهر فالاستشهاد السابق اشتمل على توصيف جميل للتعالقات الكبيرة داخل السرد بين الزمن وامتداداته داخل السلوك الإنساني وتأثيراته التراكبية في الشخصيات الإنسانية بطريقة رائعة، تحمل صعوبات كبيرة اظهرت قيمتها بالمنهجية التي نتحدث عنها.
ومن الصعوبات السردية الإبداعية أيضًا، القيمة الفكرية والفلسفية للعمل وتقاطعها مع محظورات السرد المتمثلة في المثاقفة والوعظية، وكذلك ظهور الشخصية الفكرية والثقافية للمؤلف داخل سرديته وإفسادها للعمل. بينما ذلك لم يحدث رغم القيمة العالية للرواية إذا ما نظرنا إليها من هذه الزاوية، فمستويات القراءة متعددة تحمل أبعادًا عميقة تشير إلى أفكار وفلسفات سياسية واجتماعية واعتقادية، صهرت داخل السياقات وترك للقارئ اكتشافها وتحليلها والوقوف على مغازيها بمستويات قراءتها المتعددة. والجميل أنها أتت في سياقات منطقية لا تسمح لنا برفضها رغم شيوعها وورودها على السنة أغلب أبطال العمل، إذ إننا نرصدها على لسان «غالب» وعلياء ونور وآمال بالقيمة نفسها تقريبًا، ومع ذلك ليس لنا رفضها، كونها ارتبطت بأزمنة عمرية متشابهة، فجميعهم قالوا بها في شبابهم بما يتلاءم مع مواصفات السن نفسها بخلاف أنهم طلاب جامعة في ح قبة زمنية عرفت بالقيمة الثقافية العالية لشباب جامعاتها. كما أتت على لسان غالب وآمال في سنين متشابهة أيضًا في الشباب والكهولة وبعد المرور بتجارب ثرية لا يستبعد معها ورود الحكمة على ألسنتهما، ما يعني أن المؤلف نجح في الاحتيال علينا كقراء واستطاع تمرير ثقافته وفلسفته ونقده الصارخ لبعض السلوكيات المشينة، ويمكننا رصد ذلك في عدة مواضع، كقوله في كهولته عند التقائه بالرباعي مصادفة ص16: (تبقى الحالات الإيمانية والصفاء الروحي في زوايا منسية من الدماغ، حتى تحين لحظة الحقيقة ليتم استدعاؤها بسرعة مدهشة، تبقى سرًا غامضًا لا يقل في غموضه عن الحالة الإيمانية ذاتها.) انتهى كلامه.
وكان قد ربط مقولته هذه بالصعود إلى الطائرة والهلع الذي ينتاب الجميع حينها ويُظهر تدينهم المؤقت، وقوله ص82: (إذا وصل مقطع القدس لنا، قمت ورئيسة ندبك ونخرج الكوفية الفلسطينية فأشدها على خصرها، ويصفق الجمهور باحترام لإرادتنا في تحرير القدس من كازينو الأندلس في شارع الهرم) انتهى كلامه.
وكما يظهر هنا فإن زمن الحدث يختلف عن زمن روايته وسرده، وبالتالي أصبح مبررًا توظيفه في سياقات فكرية عميقة، فالراوي نقل لنا ما حدث معه في شبابه وربطه بفلسفة وقتية تتعلق بخمسة عقود عاشها، منها ثلاثة عقود بعد الحدث الموصوف، لذلك عد منطقيًا تحميله بهذا القدر من المعاني العميقة، إذ جعلنا تقريبًا نقف على حالة العالم الإسلام والعربي والفلسطيني مع قضية فلسطين من خلال هذا المشهد المجتزأ البسيط.
هذه الصور الفلسفية العميقة تكررت كثيرًا داخل المتن الحكائي بالسياقات المنطقية التي تحدثت عنها كقول غالب ص92 وهو يقترب من باب الشقة التي سكنها في شبابه عندما دمعت عينه. وصف شعوره وقتها قائلًا: (ومع ذلك يلزمني الانتباه إلى أن الماضي عشق بحدّ ذاته، حتى لو داخله الألم أو التعكير.
يصبح الماضي حياة سبق لك إنتاجها فتحبّ نفسك فيه، ربّما كان الأمر كذلك، أو ربّما كان تراثًا غمرته السنين بليلكها فزادته جمالًا) انتهى كلامه.
ومن الحيل التي اعتمدها المؤلف في تمرير فلسفاته وصف الموقف السردي المتخيل والانطلاق من خلاله لتبرير ما سيأتي لاحقًا من فلسفة عميقة، كقوله ص52: (كان الغول أو الفيل رابضًا تحت اللحاف، ولأن دماغها أعطاها إشارات بأن البيت خال تمامًا من الأفارقة، فلم تستبن انتفاخ اللحاف فوق السرير. هكذا فهمت أن الحقائق قد تغيب إذا ما تلقى الدماغ تعليمات مخالفة، تصل إليه كحقائق معلبة). انتهى كلامه.
استخدم أيضًا الأبعاد النفسية المعروفة لتمرير المشاهد الذكية بقيمتها الفكرية والفلسفية كالحديث عن التأثر والتأثير النفسي وقدرته على إطلاق العواطف كما يظهر في قول آمال ص97: (انجذبت إليك لأن الدكتور الذي يحاضرنا يومها قد سرح بفكره بعد إجابتك، خمنت أنه يعيد وجهة نظره فيك، بعدها سرحت أنا أكثر منه فيك: شابٌ يمتلئ حيوية، عميق في إجاباته، قراراته حاسمة منذ البداية،... الخ). إلى أن قالت: (بادلتك النظرة وكنت أعرف أنها علاقة لن تنتهي بزواج. قلت في نفسي هذا عالمٌ آخر سأدخله وأرى، بإمكاني الانسحاب في أية لحظة. لم أندم يومًا على قراري هذا حتى بعد أن تزوجت.) انتهى كلامها.
وبدا واضحًا هنا أن المؤلف أراد إيصال فكرة أن بعض الممارسات الجنسية قد يكون دافعها الفضول، أو نتيجة لأفكار مجنونة يُحتمل وجودها في سن الشباب، ما يعني أن إيرادها على هذا النحو كان مبررًا وتم توظيف أدوات المؤلف لتمريرها، واستخدامها لرفع قيمة السرد وزيادة إثارته.
قيمة أخرى، حملها السرد وربطها بالصعوبة، تظهر في بث الأفكار باللغة الدارجة «العامية» كقوله ص65: (والله نخولة، يرفض عروس «صديق» الذي تركها منذ أسبوعين ويفرح بعروس «الضديدي» الذي لم يتركها إلا من أسبوع فقط، والله سالم شاف إليتها الكبيرة فتنازل عن العدة، قال ما تصلي قال…) انتهى كلامه. وكان في عبارته هذه على بساطتها، إشارة للنفاق الاجتماعي المتدثر برداء الدين الذي يظهر زيف كثير من السلوكيات التي تتغير بتغير المكان والزمان، وتوظف لتبرير بعض القرارات الشخصية. وهي للأسف سلوكيات مجتمعية مرصودة أجاد المؤلف تقديمها في سياق سردي مقنع ومبرر، وكان قد عاد لتوضيح مراميه الخفية بشواهد دلالية تحسم جدل المعنى عندما قال في نفس الصفحة65: (في كل يوم أشاهد هؤلاء الأشخاص أصاب بحالة ذهول، ترتبك لدي المفاهيم فيزداد حامد الرباعي حقارة وسقوطًا في نظري. وفي كل مرة أدخل لا أشعر بالراحة إلا بعد أن أستحم تحت الدش نصف ساعة.) انتهى كلامه.
كان ذلك نزرًا يسيرًا من الجمال الذي يتلقانا في هذه السردية الإبداعية ويرافقنا حتى النهاية. وكان هدفًا بالنسبة لي عدم إفساد تلقي الرواية عند من ينوي قراءتها، فآليت على نفسي أن أحوم حول الحمى وابتعد عن كثير من التفاصيل الجمالية التي قد تفضح خط سير الأحداث، ومنها الفكرة الأساس التي دار حولها كامل السرد، وارتبطت بالتجارة الرخيصة التي تتلاعب بالمعتقدات الدينية وتنال منها. وهي بالتأكيد لا تقتصر على جمهورية مصر العربية بل تمتد بامتداد هذا العالم، وتترافق عادة مع التدين الزائف الذي يختبئ خلف المظاهر ويعيث فسادًا في الأعماق تحت أقنعة متعددة.
كل ذلك بالطبع لا يقتضي بالضرورة خلو العمل من بعض الملاحظات التي تمنيت على المستوى الشخصي الابتعاد عنها، وإن كانت غير مؤثرة في قيمة العمل إلا من حيث اكتمال إبداعه وتجاوز كل ما يخل بجماله، ككثرة حديث البطل عن فهمه للغة الجسد، وامتداد ذلك بطول الرواية تقريبًا، وأتت البداية عندما ألصقها بالرباعي في قوله ص25: (خلال فترة انزوائي القصيرة تمترست خلف وجه متجهم وذراعين مطويتين على الصدر. أظن أن ذلك كان من دون قصد واضح، لكنه كان بما يكفي ليشعر الجميع بالوضع السلبي الذي أعيشه) إلى أن قال: (كان حامد الرباعي خبيرًا -بالسليقة أو التدريب- لا أدري، في معرفة لغة الجسد) انتهى كلامه. حتى قوله قرب النهاية ص232: (لفت انتباهي طريقتها في النوم، وأنا الدارس لعلم لغة الجسد. نائمة وبقايا ابتسامة على وجهها، .... الخ) انتهى كلامه.
والواقع أن إمكانية التخلص من كل هذا الحديث المبالغ فيه عن لغة الجسد ميسور، وغير مكلف، ولا يتخطى حذف بعض عبارات قليلة، إذ إن المعنى يمكن إبقاؤه من دون التنويه عنه، وتركه لفطنة القارئ الذي سيستنتج أن السارد المتكلم ملم بلغة الجسد، وهي اللغة التي يتقنها كثيرون ولا يشترط لها الدراسة أو التخصص أو التنويه عنها.
وبعد، فإن هذه الوقفة مع العمل أثارت في نفسي سيلًا من الاستفهامات فبت أتساءل، هل المشاعر بالفعل مرهونة بالمشقة؟! وهل قيمة الأشياء تتأثر بصعوبة الوصول إليها؟! وهل التجار محقون عندما يبالغون في أسعار بضائعهم النادرة، وأنهم يجنون بالفعل مبالغ طائلة من وراء ذلك؟! وهل العلاقات الإنسانية في عمومها قائمة على هذا المبدأ؟! أنفعل ذلك عن قصد أم بتأثير العقل الباطن من دون إرادة حقيقية منا؟! وتذكرت حينها أنه لا شيء يستطيع رفع قيمة البضائع الرديئة، وغاية ما هنالك دفعك للبحث عنها والاقتراب منها واقتنائها لتكتشف لاحقًا قيمتها الحقيقية. ولعلي تبسمت أيضًا وقد ظهر لي أن المؤلف كان ذكيًا بالفعل في الاعتماد على هذه الفكرة، إذ إن الصعوبة التي قادتني لهذه الرواية انتهت بالقيمة التي توقعتها وبحثت عنها، بل إنها أخضعتني لهذه الفكرة الفلسفية عند اكتشافي أن المؤلف وظفها واعتمد عليها في تحديد قيمة سرديته متأملًا إقرارنا بعلاقة السرد الإبداعي بـ«الصعوبات الثمينة».