سليم السوطاني
ضج موقع «إكس» بعد إذاعة حلقة منصة «عرب كاست»، بكثرة الآراء حول الحوار الذي أجراه الإعلامي جمال الملا مع الدكتور عبد الله الغذامي، وتعددت الآراء واختلفت حول حديث الضيف. ولا عجب في ذلك؛ فمثل هذا الحوار مع الناقد الكبير الغذامي لا بد أن يحدث ردودًا واسعة واهتمامًا منقطع النظير، لما يتمتع به من خلفية معرفية ونقدية، على مستوى الوطن العربي، في مجال النقد الثقافي.
الاختلاف في الآراء والأفكار شيء طبيعي وسمة حضارية، لكن يجب ألّا يخرج هذا الاختلاف عن اختلاف الرؤى والأفكار، ويبقى في هذا الإطار، إذ من حق أي إنسان ألا يوافق المتحدث في جميع أطروحاته وأقواله. لكن الذي لفت نظري ردود بعض المتشنجين ضد شخص المتحدث، وابتعدوا بمنشوراتهم عن نقد القول وبيان وجه الاختلاف بشكل متزن. فهناك من نزل بالاختلاف إلى مستوى الكراهية لشخص المتحدث -أما من دافع حسدًا أو غيرةً أو كراهيةً- والعياذ بالله. وبعضهم -مع الأسف- من أصحاب القلم والعلم، فإن هذا لا يليق بأهل العلم، ولا يصح أن يتعاملوا بتلك الطريقة في الاختلاف في شأن آراء أو قضايا نقدية.
من الجميل للمتلقي أن يسود المشهدَ الثقافيَّ حراكٌ واختلافٌ، وأن يبدي الكل آراءهم ويعلقوا، لكن في حدود الرأي فقط، وهنا سيكون الاحترام قائمًا بين المختلفين، ويكون الرقي في الخطاب سمتهم، وسوف يصفق القارئ كثيرًا لهذا الاختلاف، الذي حتمًا ستتوالد منه أفكار، وتنبثق منه أطروحات جديدة.
الدكتور عبد الله الغذامي اسم كبير في النقد الثقافي المحلي والعربي، وأطروحاته وكتبه تشهد له، ومن يقلل من مكانته فهو يتعمد أن يكون أعمى البصيرة.
بعض المنشورات الهجومية على الغذامي، عندما قرأتها قبل أن أشاهد الحلقة، شعرت بأن هناك أخطاء وقعت من المتحدث، وتعد كارثة بالفعل! لكن عندما شاهدت الحلقة وجدت عكس ما ذكر في المنشورات من آراء! وأعتقد أن بعضهم لم يشاهد الحلقة، وقد سل سيفه بعد أن رأى عنوان الحلقة، خلال مقدمة الحلقة فقط. وهكذا تكرر الفعل نفسه – الذي كان قبل عقود - عندما هاجموا كتابه «الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، نظرية وتطبيق» من العنوان، دون أن يقرؤوا الكتاب! وقد ذكر الغذامي هذه الحادثة خلال مجريات حديثه، أثناء الحوار.
الاختلاف بين النقاد أمر قديم وشائع، لكن مع ثورة التواصل الاجتماعي أجده يشوّه الساحة الثقافية وأدبياتها، ويضرها أكثر من منفعتها؛ بسبب أن بعض الكتّاب أول ما يقرأ رأيًا، أو يتابع ردودَ فعلٍ ضد أحد الأدباء، يندفع من دون تروٍّ، ويكتب رأيه من دون تأنٍ أو مراجعة، ولم يدفعه إلى ذلك إلا «شخصنة» مقيتة ضد هوية وتوجه من طرح ذاك الرأي.
لا بأس لو أنه يكتب رأيه ويختلف برقي، من دون أن يصب هجومه العنيف، الذي يصل إلى حد الانتقاص من الآخر وتجريده من مكانته العلمية، من دون تروٍّ.
ويبقى الغذامي قامة نقدية كبيرة أثّرت كثيرًا في المشهد الثقافي، بنظرياته ومؤلفاته التي بنى بها، من خلال أبحاثه، مشروع النقد الثقافي والنسقية، والتفكيك… حتى أصبح يشار إليه بالبنان عندما يذكر (النقد الثقافي).
الاختلاف في الأفكار يكشف عن وعي الأديب وحضارته ونضجه، ومن يحاول أن يختلف من أجل أن يتسلق على أكتاف الناجحين فلن تدوم ثمرة فعله؛ فهي لحظية، وسيحصد الخيبة، ولا يبقى إلا كلام العقلاء والاختلاف المتزن والحكيم، من أجل العلم ولا شيء غيره.
ومن يشخصن آراءه، بحسب محبته وكراهيته، فهو فريسة جهل مقيت، يُنقِص شخصية الناقد مهما بلغ من مكانة علمية.