أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
جاء في حوارنا السابق أنَّ مَن تتبَّع صَنْعَة شِعر السَّقَّاء الشاعر (أبي تمَّام) ألفاه قد لا يراعي اللياقة في مخاطبة ممدوحِيه؛ حتى ليكاد يخرج من مدحهم إلى التعريض بهجائهم! وضربنا مثلًا على ذلك بأنَّه امتنَّ على أحد ممدوحيه بوصفه بأنه ليس بـ«أَبْلَه»! قلت لـ(ذي القُروح):
- وإذن، لو عزَّر الممدوحُ الشاعرَ على مثل هذا المديح، لما ناله ملام.
- أجل. ثمَّ ما أصبرك، يا أيَّها الممدوحُ (محمَّد بن عبدالملك الزيَّات)، على شاعر يقول فيك:
وَزيرُ حَقٍّ، ووالي شُرطَةٍ، ورَحَى
ديوانِ مُلكٍ، وشيعِيٌّ، ومُحتَسبُ(1)
- بهذا جعله (رحًى) بعد أن جعله (دَلْوًا)، كما رأينا في المساق السابق.
- لا غرو، فهو يجمع له بين وظائف متباينة، سردَها في هذا البيت!
- وفوق تلك الوظائف هو:(زيَّات)، من قَبل ومن بَعد!
- وها هو ذا- بعد أن امتنَّ على الممدوح بوصفه بأنه ليس بـ«أبله»- يقول إنها إنَّما ألجأته إليه الحاجة الممضَّة، كالذي يحتفر القُلُب بدل الأنهار، أو يتَّخذ جلود الإبل بدل دراهم الذهب:
لَو أَنَّ دِجلَةَ لَم تُحوِج وصاحِبَها
أَرضَ العِراقَينِ لَم تُحفَر بها القُلُبُ
لَم يَنتَدِبْ عُمَرٌ للإِبلِ يَجعَلُ مِنْ
جُلودِها النَّقدَ حَتَّى عَزَّهُ الذَّهَبُ(2)
- أيُّ مديح هذا، يا (أبا تمَّام)؟! لقد كنتَ سقَّاءً، إذن، خيرًا منك شاعرًا، بمثل هذا!
- ولقد صدق بتوصيف شِعره، حين قال:
مِن كُلِّ قافِيَةٍ فيها إذا اجتُنِيَتْ
مِن كُلِّ ما يَجتَنيهِ المُدنَفُ الوَصِبُ
الجِدُّ، والهَزْلُ، في تَوشيعِ لُحمَتِها،
والنُّبْلُ، والسُّخْفُ، والأَشجانُ، والطَّرَبُ(3)
وهو ما حمل (الآمديَّ)(4)، بحقٍّ، على القول عن بيته الأخير: «بيتٌ في غاية الحمق! ومَن يمدح وزيرًا، فلِمَ يُضمِّن قصيدته الهَزْل والسُّخْف؟! وإنْ كان هناك ما يدلُّ على هذا، فلِمَ نَبَّه عليه واعترف به؟!»
- على أنَّه يبدو هذا ديدن (أبي تمَّام) بالفعل، في تنقُّله من التحليق في السماء إلى الإسفاف منحدرًا إلى أسفل السَّافلين!
- صدقتَ. تجده، مثلًا، في قصيدته ذات المطلع:
إِنَّ بُكاءً في الدَّارِ مِن أَرَبِهْ
فَشايِعَا مُغرَمًا عَلى طَرَبِهْ(5)
- كأنَّه بهذا المطلع يُترجم ترجمةً رديئةً مطلع معلَّقة «قفا نبك»، لـ(امرئ القيس)؟
- وشتَّان بينهما! لكن انظر إليه كيف يقول في القصيدة، وهو يمدح (محمَّد بن عبدالملك بن صالح الهاشمي):
مُهَذَّبٌ قُدَّتِ النُّبُوَّةُ والـ
إِسْلامُ قَدَّ الشِّرَاكِ مِن نَسَبِهْ
وشِراك النَّعل: السَّير الذي يُجعَل بين أصبعَي القَدَم. فانحطَّ بالتهذيب، والنبوَّة، والإسلام، ونسب الهاشمي، جميعًا إلى مستوى النِّعال وشؤونها!
- كيف، وهو البديعيُّ الحداثيُّ المجدِّد، لم يُسعِفه خياله بما هو أرقى من هذا التصوير؟!
- ثمَّ تراه يقول عن هذا (الهاشمي)، الذي لا مثيل له ولا يُشقُّ له غبار:
مُشمِّرٌ ما يَكِلُّ في طَلَبِ الـ
ـعَلياءِ والحاسدونَ في طَلَبِهْ
أَعلاهُمُ دونَهُ وأَسبَقُهُمْ
إلى العُلَى واطِئٌ عَلى عَقِبِهْ!
- أَشْوَى أنه ما قال: «واطِئٌ عَلى رأسه»!
- لو لم تُنقذه القافية، لربما كان قال ذاك، في هذا «المَرَثُون» الفكاهي من السباق إلى المعالي. فأنْ يطأ المتسابق، السابق إلى العُلَى، على عقب الممدوح، أي على ذَيله، أو على عَقِب رجله، تعبيرٌ غير لائق! تخيَّل الصُّورة: الهاشميُّ الهُمام ماضٍ إلى العُلَى، في أمان الله وحفظه، إلَّا أنَّ هناك من يطأ على عَقِب رجله!
- كيف له حينئذٍ أن يرقى، «مُشمِّرًا ما يَكِلُّ في طَلَب العَلياء»؟!
- بل قل: كيف له أن يسير على الأرض في هذه الحالة، وهو مدعوسٌ على رجله؟!
- وهكذا أوقعتْ القافيةُ -عفا الله عنها!- الشاعرَ في شرِّ أعماله، بتلك الصُّورة الطريفة.
- وكلُّ هذا التكلُّف يأتي في النهاية من أجل فِضَّة الممدوح أو ذهبه، بطبيعة الحال، لا لسواد عينَيه:
تَأتيهِ فُرَّاطُنا فَتَحكُمُ في
لُجَينِهِ تارَةً وفي ذَهَبِهْ
بِأَيِّ سَهمٍ رَمَيتَ في نَصلِهِ الـ
ـماضي وفي ريشهِ وفي عَقِبِهْ
- «عَقِبه».. مرَّة أخرى؟!
- نعم. على أنَّ الشاعر لا يستحي هنا، أو يجد حرجًا، من أن يمنِّي الممدوح، في المقابل، بأنه سيمنحه من بُسْر شِعره أو رُطَبه.
- حسب الموجود!
- لكن بشرط: أن يَأْبِر غرائس نخله!:
يَأبِرُ غَرْسَ الك َلامِ فيكَ فَخُذْ
واجتَنِ مِن زَهْوِهِ ومِن رُطَبِهْ
- وهو يكلِّفه أيضًا بأن يجني بُسره ورطبه بنفسه، بدل أن يقدِّمه إليه؟!
- وافرض أنه لا يُحسِن تسلُّق النخل واجتناء التمر! ما العمل؟
- عندها ليأكل أيَّ شيء!
- وكيف لا نقرأ مثل هذا المديح، وقد قال إنَّ (الشُّكر) أصلًا هو من البهائم المرتبطة في مِذْوَد الممدوح، كما أنَّ سَرْح المدائح من جلائب سُوقه؟!:
أَما تَرَى الشُّكْرَ مِن رَبائِطِهِ
جاءَ وسَرْحُ المَديحِ مِن جَلَبِهْ؟!
وكم ذا بمدائح العصر العبَّاسي من «كوميديَّات» النَّظْم!
- لكأنِّي بك، يا (ذا القروح)، لم تسمع عن «كوميديَّات» النَّظْم في عصرنا، ومنها نَظْم الشِّعر بالذَّكاء الاصطناعي؟
- تلك كوميديَّات شِعرٍ يَلَق؟
- يَلَق؟
- اليَلَق: الأبيض المتلألئ. قال جدُّك (أبو ذؤيب الهُذَلي)(6):
في رَبْرَبٍ يَلَقٍ حُورٍ مَدَامِعُها
كَأَنَّهُنَّ بِجَنْبَيْ حَرْبَةَ البَرَدُ
وما زلتم تقولون بعامِّيتكم، عن الأبيض الناصع، إنَّه: «يِلِق».
- ما علينا، عُدْ بنا إلى الذَّكاء الاصطناعي!
- ذاك موضوعنا للمساق المقبل، بعون الله.
**__**__**__**__**__**
(1) (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عَزَّام، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 247/ 26.
(2) م.ن، 1: 254- 255/ 44- 45.
(3) م.ن، 1: 258/ 57- 58.
(4) (1992)، الموازنة بين شِعر أبي تمَّام والبُحتري، تحقيق: السيِّد أحمد صقر، (القاهرة: دار المعارف)، 3: 689؛ ابن المستوفي، (1989)، النِّظام في شرح شِعر المتنبِّي وأبي تمَّام، دراسة وتحقيق: خلف رشيد نعمان، (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 3: 109.
(5) ديوانه، 1: 264- 276.
(6) (1965)، كتاب شرح أشعار الهذليِّين، تحقيق: عبدالستار أحمد فرَّاح، راجعه: محمود محمَّد شاكر، (القاهرة: مطبعة المدني)، 1: 61/ 11.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)
p.alfaify@gmail.com
https://twitter.com/Prof_Dr_Alfaify