د.منصور بن محمد البلوي
كُلَّما أنعمنا النظر في الأجناس الأدبيَّة المتعدِّدَة ازددنا يقينًا أنَّ الرواية هي الجنس الأدبيّ الأكثر قلقًا وإشكالًا إنْ على مستوى الوجود والماهيَّة والغائيَّة أم على مستوى الانفتاح والتنوُّع والتلقي؛ فالرواية جنسٌ أدبيٌّ سرديٌّ عصيٌّ على التعريف والتكييف؛ ذلك أنها تستضيف جُلَّ الأجناس الأدبية وتتشابك مع كثيرٍ من الفنون دون أن يعني ذلك فقدانها خصوصيتها وهُويّتها؛ ولذلك سُمّيت «قصيدة القصائد» كما نقل تودوروف عن عددٍ من النقاد ، كما جسَّدت الرواية ما سمّاه الناقد الأمريكي جيفري ميرز «التناظر الجمالي»؛ لإفادتها من سائر الفنون التشكيلية الزمانية والمكانية، بل حتى على مستوى الوجود والبقاء والسيرورة نجد أنَّ كثيرًا من النقاد والباحثين لا يزالون يميتونها مرة ويحيونها مرات؛ فقد أعلن النقاد موتها غير مرَّة ثم عادوا لينفوا ذلك بالقدر نفسه من التكرار، كما أفادت مجلة الإيكونومست في عددها الصادر في شباط 1970 تحت عنوان (الرواية لم تمت بعد).
فضلًا على أنَّ قلق النشأة والريادة قد تسرّبَ في أثناء الرواية ولا سيما الحديثة منها؛ إذ اختلف النقاد الغربيّون في ريادة الرواية الحديثة الناضجة فنيًّا، هل هي من نصيب الإسباني سرفانتس سابيدرا صاحب الرواية الشهيرة (دون كيشوت)، أم من نصيب البريطاني صمويل ريتشاردسون صاحب رواية (باميلا). وهذا الاختلاف نجده لدينا، أيضًا، نحن العرب عند الحديث عن ريادة الرواية العربية التي خُلعت على محمد حسين هيكل في روايته (زينب) المنظور إليها بوصفها الرواية الأولى (الناضجة فنيًّا) في تاريخ السرد العربي الحديث، مع أنَّ عددًا من النقاد العرب قد رفضوا هذه الفكرة الاختزالية؛ إذ رأوا أنَّ الوعي السردي كان سابقًا على هذه الرواية. ومهما يكن فإنَّ هذه المقالة ليست معنيَّةً بفض ذلك النزاع بقدر ما هي معنيَّةٌ ببقاء الرواية وسيرورتها وتطورها أيًّا كان رائدها.
ويمكن القول ابتداءً: إنَّ الروايةَ باقيةٌ ما بقي الإنسانُ نابضًا بالحياة وقادرًا على الحكْي؛ فهل الرواية إلا حكاية؟ ولعلَّ الناقد الإنجليزي فورستر قد أصاب حين قال: إنَّ الرواية لا تقوم إلّا على حكاية، والحكاية كالعمود الفقري أو كالدودة الشريطية التي لا يمكن التحكُّم ببدايتها أو نهايتها، تلك الدودة الشريطية التي أنقذت أكثر الأميرات دهاءً وذكاءً، وتكفَّلت بحمايتها والإبقاء على حياتها؛ ففي حكايات ألف ليلة وليلة قد نجت الأميرة (شهرزاد) من الموت المحقق على يد الملك الظالم (شهريار)؛ لأنها لاذت بحصن الحكاية ودافعت عن نفسها بسلاح التشويق حيث بقي الملك يتساءل: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ فنحن إذن - كما يرى فورستر - نشبه زوج شهرزاد في أننا نريد أن نعرف ماذا سيحدث بعد ذلك.
فالحكاية إذن مادَّة السرد ونواته وجوهره. والسرد، كما هو معروف، كل ما تتابع من جنسه. وهي لفظة قرآنية؛ يقول الله سبحانه وتعالى آمرًا نبيه داود عليه السلام: (أن اعمل سابغاتٍ وقدِّر في السرد). أي اعملْ دروعًا واسعة تامة محكمة، تكون الحلقة بقدر ما يدخل فيها حتى لا يسقط الدرع كما جاء في لسان العرب وكتب التفاسير. ومن جانبٍ آخر فإنَّ مصطلح السرد قد تواتر ذكره في تراثنا الشِّعْريّ، ومن ذلك قول المتنبي في إحدى قصائده التي يمدح بها سيف الدولة:
فأصبحَ يجتابُ المُسُوحَ مخافةً
وقد كان يجتابُ الدِّلاصَ المُسرَّدا
فلو كان يُنجِي من عليٍّ ترهُّبٌ
ترهّبتِ الأملاكُ مَثنى ومَوحَدا
فالمتنبي يمدح سيف الدولة بعد انتصاره على الروم وأسْره ابن الدُّمُستق بعد أن فرّ أبوه تاركًا ميدان الحرب خوفًا من سيف الدولة، وكأنَّ مصير الدمستق قد انتهى به إلى لبْسِ المسوح (الرامزة إلى الضعف والذل والإحجام) بعد أن كان يتزيَّا بالدلاص (الرامزة إلى القوة والأنفة والإقدام)، والدِّلاص، كما في كتب اللغة ومعاجمها، هي الدروع البراقة الصافية. والمسرّد: المنظوم المنسوج بعضه في بعض.
ولعلَّه من المفيد أيضًا أن نذكِّرَ القارئ الكريم أنَّ مفهوم السرد أعمُّ وأشملُ من فنِّ الرواية؛ فالسرد كما يرى جمهرة من النقاد -ومنهم يان مانفريد- هو كل شيء يحكي أو يعرض قصة، سواء أكان نصاً أم صورةً أم أداءً أم خليطًا من هذا وذاك؛ وعليه فإنَّ الروايات والأفلام والرسوم الهزلية كلها تنضوي في لواء السرد.
وإذا ما حدّقنا في تعريفات الرواية والرؤية تجاهها نجد أنها تختلف باختلاف مشارب النقاد وتوجهاتهم الفلسفية والأيديولوجية والمعرفيَّة؛ فهي عند جورج لوكاش مرآة المجتمع البورجوازي التي تعكس تجلّياته وتفضح تناقضاته، مثلما أنها تُجسِّد عند هيغل روح الملحمة في العصر الحديث والمجتمع الراهن، ولا سيما أنَّ المجتمع بحسب رولان بارت هو الذي يفرض الرواية. وينظر موريس بلانشو إلى الرواية بوصفها عملًا صادرًا عن سوء نية، ويقاربه في ذلك ألبيريس الذي يرى الرواية إبداعًا أدبيًّا يتوكَّأ على القصة ليعبِّر عن شيءٍ آخر، بينما ينظر إليها كونديرا على أنها حالة من التأمل حول الوجود الذي يُنظر إليه عبر شخصياتٍ متخيّلة. أمَّا الرواية من منظور أورهان باموك فهي بناءٌ مُتفرِّدٌ خلّاقٌ، إنها تتيح لنا الاحتفاظ بالأفكار المتناقضة في ذاكرتنا دون قلق، وتعزِّز، في الآن نفسه، قدرتنا على فهم وجهات النظر المختلفة.
والرواية من منظور بيرسي لوبوك تمثِّل عالَمًا يبدع الوهم فنضيع فيه بكُلِّ رضًا وسرور. وصناعة الوهم والإيهام تذكِّرنا بالرواية البلزاكية التي شيَّدَ فيها الواقعيّون صروحهم السردية على ما يسمّيه بارت «الوهم المرجعي» مُتوسِّلين إلى ذلك بقربان الوصف المُستفيض والمسكون بفلسفة الأثاث عند ميشال بوتور، وبيت الأشياء عند غاستون باشلار، وتوصيفات إميل زولا الأزلية. وعلى ذلك يمكننا أنْ نُعرِّفَ الرواية الواقعية (البلزاكية) بأنَّها: خدعةٌ إبداعيَّة، ولُعبةٌ إيهاميَّة في ملعبِ المرجعيّة؛ إنَّها تواطؤٌ بينَ كاتبٍ يزرعُ الوهْمَ، وقارئٍ يحصدُهُ بنفْسٍ سخيَّة، بينما نلفي الرواية الجديدة (التجريبية) لا تعيد صياغة الواقع المعيش، بل تصنع لها واقعًا مُتشظِّيًا ومغايرًا، لغةً ورؤيةً وتشكيلًا.
ولعلَّ هذا التطواف حول مفهوم الرواية يقودنا إلى جمْع أشتات دوافعها ووظائفها وغاياتها المتناثرة في تعريفات النقاد ورؤاهم ومقولاتهم التي تكرِّس الأبعاد الإمتاعيَّة والمعرفيَّة التي تضطلع بها الرواية. فضلًا على أنَّ الرواية تُرسِّخ الأبعاد الأيديولوجية فارضةً سيادتها في فضاء الخطاب المسرود؛ ذلك أنَّ نقش الكلمات على الورق كما ترى جوان ديديون: «هو أسلوب المتنمّر السرّي، إنه احتلال، فرض لعقلية الكاتب على أكثر مساحات القارئ خصوصية». فالرواية إذن تعلن عن نمط حياة جديد مُسهمةً في الآن نفسه في إحداثه كما يتصوّرها جان كريتيان. وهي على كل حال تسعى قبل أي شيء لأن ترينا من نحنُ في زمننا الذي نعيش فيه بحسب إيغلستون. ومهما يكن من شيء، فإنَّ للكتابةِ أربعَ غاياتٍ عظيمة رصدها الكاتب الإنجليزي جورج أورويل، وهي: غاية نرجسية (الشهرة والانتقام) وغاية جماليّة، وغاية تاريخيّة، وغاية سياسيّة.
إنَّ الرواية تقتضي بحسب إيان واط: رؤيةً للعالم متمحورةً حول العلاقات الاجتماعية بين الأشخاص الفرديين، كما أنها قادرة أيضًا على إحداث إضاءة وتنوير عظيمين، ولذا من البدَهيِّ أن تكون مشاعرنا مختلطة تجاه هذا الجنس الأدبي وسياقاته الاجتماعية، فضلًا على أنَّ للرواية غايةً استشفائية؛ فنحن حين نقرأ الروايات، وَفقًا لمنظور أمبرتو إيكو، إنما نفرُّ من القلق الذي يحيط بنا حينما نحاول الصدع بشيءٍ حقيقيِّ عن العالم الواقعي، ولعلَّ هذه الغائية يُفسِّرها تعريف لطفيّة الدليمي الذي أوردته في مقدمة ترجمتها لكتاب تطور الرواية الحديثة لجيسي ماتز؛ إذ ترى أنَّ الرواية تنهض بالوظيفة التي نهضت بها الأسطورة؛ ذلك أنَّ الرواية بمثابة الفضاء الميتافيزيقي الذي يلوذ به الأفراد بغية الحصول على فسحة من فك الارتباط مع الواقع الصلب وإكراهاته واشتراطاته القاسية، والإبحار في عوالمَ متخيّلة لذيذة أشبه بحلم يقظة ممتد. أمَّا كولن ولسون، فقد رأى مُحقًّا، أنَّ الغاية من الرواية: «ليس أن تكون عالما مستقلا ومنعزلا. إنها في الأساس تجربة فكرية، ونوع من الركض الصامت من أجل التجربة الفعلية»؛ فالرواية إذن نوع من الكتابة، والكتابة، بتعبير إيزابيل الليندي، دائماً ما تمنح شكلاً من النظام لفوضى الحياة، إنها تسهم في تنظيم الحياة والذاكرة.
ولعلَّ الوقوف على تعريفات الرواية وإزاحة النقاب عن غاياتها ووظائفها يستدعي الإشارة إلى بعض الإشكالات التي تسرَّبت من جُدُر الفن الروائي، ومن أبرز تلك الإشكالات: زمن الرواية والصراع بينها وبين الشِّعْر، والاستعجال في النشر، ومأزق الرواية الأولى، وتفسير الروائيين رواياتهم. فأقول: إنَّ الروايةَ لا تزال تشكِّل حضورًا لافتًا في الراهن الأدبي والثقافي، وكأنها تعزز المقولة السائدة التي مؤداها أننا نعيش في (زمن الرواية)، وهي مقولة ذاع صيتها منسوبةً إلى الناقد المصري جابر عصفور الذي ألّف كتابًا يحمل عنوان المقولةِ نفسِها، بيد أنَّ الصواب هو أنَّ هذه المقولةَ إنما انبجست من جدالٍ نقديٍّ بين العقاد ونجيب محفوظ في منتصف القرن العشرين، وقد نصّ جابر عصفور على هذه المجادلة في كتابه (زمن الرواية) الصادر عام 1999م. فقد أجاب العقاد حين سئل في حوار أجري معه عن قلة حضور القصص في مكتبته، قائلًا: «لا أقرأ قصة حيث يسعني أن أقرأ كتاباً أو ديوان شعر، ولست أحسبها من خيرة ثمار العقول». وقال أيضًا: «إن خمسين صفحة من القصة لا تعطيك المحصول الذي يعطيكه بيت كهذا البيت، وهو للشريف الرضي:
وتلفتت عيني فمذ خَفِيَتْ
عني الطُّلولُ تلفّتَ القلبُ».
وقد ردّ نجيب محفوظ على العقاد في هذه المقالة وفنّد أقواله، وقال: إنَّ حُكْمَ العقاد لم يسلم من مزاج وهوى، وأنَّ القصة «هي سيدة فنون الآداب دون منازع لثلاثة قرون خلت من أزهى عمر البشرية». وقال محفوظ أيضًا: «إنَّ القصة لا تزال أعظم انتشارًا من الشعر». وفي حديث لفيصل دراج عن رواية سارة للعقاد؛ يقول: «ومع أن للرواية مكراً رهيفاً يحجب صوت الروائي وراء أصوات أخرى، فإن العقاد، الذي مجّد الشعر واستخفّ بالرواية، أخطأ المكر الروائي أكثر من مرة، تاركاً منظوره للعالم عارياً في الهواء»؛ فكأنَّ الدكتور فيصل درّاج يُلمح إلى أنَّ العقاد لم ينقم من الرواية إلا لأنه لم يحذق كتابتها ولم يتقن آلياتها وتقاناتها؛ فاستهان بها من باب: «فاقد الشيء لا يعطيه». وأقول زيادةً على قول محفوظ ودرّاج: إنَّ مقياس العقاد في الموازنة والمفاضلة بين الشعر والرواية ليس دقيقًا؛ فمدار الرواية على الاستغراق في التفاصيل والإسهاب والموضوعيَّةِ، ومدار الشِّعْرِ على التكثيف والإيقاع الموسيقي والذاتيَّة، ولو كان المُعوَّلُ على الإيجاز لسقط الشِّعر نفسه أمام الحِكَم والأمثال، والتوقيعات الأدبية، والنوادر والمنامات، والقصص القصيرة جدًّا في العصر الحديث؛ فانظر، مثلًا، إلى قصة الروائي الأمريكي النوبلي أرنست همنجواي، ذات ست الكلمات: «للبيع حذاء طفل لم يُلبس قط» فستجد أنها أقصر من البيت الشِّعريِّ الواحد، وكذلك قصة الكاتب الغواتيمالي أغوستو مونتيروسو: «عندما استيقظَ، كان الديناصور لا يزال هناك». والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى.
ومهما يكن من شيءٍ فإنني لستُ من المؤيدين لهذا النوع من الطرح (الراديكالي الدوغمائي) الذي يحاول التمييز بين فنَّي الشعر والسرد على نحوٍ تفضيليّ؛ فكلا الفنّين يسهم في تطوّر العملية الأدبية الإبداعية على نحوٍ تكامليٍّ دون أن نكون بحاجة إلى المقارنة الإقصائية وافتعال الصراع والصدام بينهما، اللهم إلّا إذا كانت المقارنة على سبيل الأدبيَّة والشعرية التي تميّز كُلّ واحدٍ منهما عن الآخر. أمَّا الذين يرون أنَّنا في (زمن الرواية) مُحتَجِّين برواجها وكثرة قُرَّائها وأنها الأكثر مبيعًا (البست سيلر)، فيمكن أن يكون لرأيهم شيءٌ من الوجاهة على أنْ يكون الاحتكامُ إلى الجودةِ والخلود وليس إلى الذيوع وتخطِّي الحُدود؛ فربَّما كان سببُ تفوُّق الروايات وتربُّعها على عرش الأكثر مبيعًا مقارنةً بدواوين الشِّعْر - نابعًا من حالات الترقب واللهفة والانتظار التي تؤطِّر قرّاء الرواية، بخلاف قرّاء الشعر، غير الباحثين، الذين يجدون قصائد الشعراء ماثلةً أمامهم في الأُمسيات ومواقع التواصل قبل صدور دواوينهم؛ فتنطفئ حينئذٍ جذوة اللهفة وتتوارى نبرة الاشتياق.
ومهما حاول بعض النقاد والقرّاء أن يتخذوا من ظاهرة (الأكثر مبيعًا ورواجًا) معيارًا للحكم على جودة الإبداع فإنَّ واقع الإبداع الحقيقي سيدحض حججهم الواهنة، وأجدني أتفق إلى حدٍّ كبير مع الناقد المتخصص في مراجعة الكتب دينيس لوي جونسون الذي يرى «أنَّ مصطلح البست سيلر هو أمر ضار ووهمي وزائف؛ لأن القراءة لا يمكن اعتبارها عملية تنافسية مطلقاً». وانطلاقًا من مبدأ الجودة والخلود يمكن أن نجعلَ الروايات في نمطين: روايات مؤقتة: متهافتة، تفتقر إلى الصمود والثبات؛ فما إنْ يهشّ عليها الباحث الحصيف بعصاه النقدية حتى تتلاشى كقطعةِ ثلجٍ في يومٍ شامس. وروايات خالدة: لا تزحزحها رياح الزمن عن مكانها الأصيل المستحق؛ فهي متجددة في وعي القراءة والتأويل، وباقية في ذاكرة الزمن جيلًا بعدَ جيل.
أمَّا على مستوى الإشكالات التي تواجه بعض الروائيين والروائيات فإنَّنا حين نُديمُ النظر في أحوالهم تتكشَّفُ لنا بعض الظواهر والهواجس التي لا تفتأ تكتنفهم وتحيط بهم إحاطة الراوي العليم بكائناته الورقيّة، ومن تلك الهواجس والظواهر: هاجس الكتابة والنشر المصبوغَينِ بلون التحمُّسِ والاستعجال، وظاهرة تأويل الروائيين رواياتهم بِفَمِ البداهةِ والارتجال، فأمَّا ظاهرة الاستعجال في الكتابة والنشر فلا ريب أنها من الموبقات التي تعصف بالكتابة والكُتَّاب على حدٍّ سواء؛ إذ لا ينبغي للكاتب أن يستعجل الزمن ويحرق المراحل ويروم القمة بلا معراج.
ذكر الناقد ديهامل في كتابه دفاع عن الأدب أن العملاق بلزاك قد سوّد مئات الصفحات قبل أن يعثر على بلزاك. فيعلق مندور قائلاً: لا شك أن الكتابة صناعة يجب أن يحذقها صاحبها بطول المران قبل أن يجرؤ عليها. ولقد رأى خورخي لويس بورخيس، مُصيبًا، أنَّ مشكلة الشباب تتبدّى في أنَّ بعضهم كانوا يفكِّرون في أثناء كتاباتهم في النجاح أو الفشل في حين لم يكن يفكِّر هو في بداياته إلَّا في الكتابة لنفسه.
ويذكر ماركيز أنه سمع ماريو بارغاس يوسا يقول يومًا: إنَّ الكاتبَ حين يتهيَّأ للكتابة فإنه يقرر حينها إنْ كان سيكون كاتبًا جيِّدًا أم رديئًا. ثم يورد ماركيز قصة مفادها أنَّ شابًّا في الثالثة والعشرين من العمر قد أتاه وقد نشر هذا الشابّ روايته الأولى قبل ستة أشهر، وكان مسكونًا بالنشوة والانتصار لأنه سلَّم مخطوط روايته الثانية إلى أحد الناشرين؛ فحين أفصح ماركيز لهذا الشابّ عن حيرته من تسرُّعِه وهو لا يزال في بداية الطريق، ردَّ عليه الشاب باستهتار: «أنت عليك أن تفكر كثيراً قبل أن تكتب لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة، لأن قلة من الناس يقرؤونني». يقول ماركيز: ففهمتُ حينها مغزى عبارة بارغاس يوسا؛ إذ إنَّ ذلك الشاب قد قرَّرَ سَلَفًا أن يكون كاتبًا رديئًا، وبالفعل فقد حصل على وظيفة جيدة في إحدى مؤسسات بيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتابة.
وانطلاقًا من ذلك؛ ينبغي للكاتبِ الذي يروم النجاح أن يتحرَّرَ من سلطان العَجَلَة وينحاز إلى أيقونة التأنِّي حتى تستوي كتابته على سوقها وتُؤتي ثمار رؤاها وتقاناتها. على أنَّ وقوع الكاتب تحت سطوة الكمال والمبالغة في رقابته الذاتية على نفسه وعدم رضاه عن نتاجه – كل ذلك قد يفضي به إلى ظلم قلمه والتقليل من شأن كتاباته التي ربَّما نظرَ إليها آخرون بعينٍ مغايرةٍ ترى فيها من الحُسن ما لا ترى عينُه (أي الكاتب الأصلي). فهذا ماركيز نفسه يحكي أنه مزّق بعض قصصه القصيرة وقذف بها في سلة المهملات لأنه لم يقتنع بها، ثم أتى الشاعر خورخي غيتان دوران فأخرج بعض هذه القصص الممزقة من سلة النفايات وعالجها بشريط لاصق واتصل بماركيز يستأذنه في نشرها. يقول ماركيز: «وهكذا استعيدت من القمامة إحدى قصصي القصيرة التي قوبلت بأفضل إطراء من جانب النقد، ومن جانب القراء على وجه الخصوص».
وإذا كان التمهُّل من الأمور المُلِحَّة في الكتابة والنشر فإنَّ هذا التمهُّل ينبغي أن يكون أشدّ إلحاحًا وأعزّ مطلبًا حين ينتقل الكاتبُ من روايته الأولى إلى الثانية؛ إذ غالبًا ما يسكب الروائيون والروائيات في رواياتهم الأولى كل ما لديهم من إمكاناتٍ بنائيَّةٍ، وعوالمَ معرفيَّةٍ، ومعلوماتٍ استعراضيَّة، وإشكالاتٍ أيديولوجية؛ مما يجعلنا نصف الرواية الأولى بأنها مأزقٌ كبيرٌ إذا لم يتحرر الروائيُّ من ورودها الاحتفائية وأشواكها الانتقادية على حدٍّ سواء. إنَّ الروايةَ بحرٌ خِضمٌّ ترتاده ثلاثُ فئات: فئة اكتفت بالوقوف على الشاطئ ويمثّلها أصحاب الرواية (الواحدة اليتيمة) الذين عاد مارِدُهُم السرديّ وظل حبيسًا في قمقمه، وفئة اكتفت بالغوصة العميقة الأولى ويمثّلها أصحاب الروايات المتتابعة الذين انقطعت أنفاسهم السردية بعد تلك الغوصة فأصبحوا يُصدرون ولكنهم يطْفون على مياه السرد غير قادرين على العُمق والتجديد، أما الفئة الثالثة فهي فئة الروائيين المبدعين الذين لا يزالون يُنتجون ويزيدون من موهة السرد، ويخوضون غمار العُمق مُستخرِجينَ لآلئَ من الرؤى والتقانات المتجددة.
وإذا قلنا آنفًا إنَّ المُبدعَ قد يظلم نفسه بإحكام وثاق الرقابة الذاتية، ففي المقابل قد لا يجد المبدع إنصافًا من المقربين ومن مجتمعه الذي يعيش في كنفه بقدر ما يجد ذلك عند الأباعد وفي خارج أسوار عالمه؛ ومن ذلك أنَّ فوكنر حين كتب روايته (الصخب والعنف) لم تلقَ عنايةً في أمريكا ولم يُحفل بها، فلما تُرجمت إلى الفرنسية بعد عشرة أعوام ذاع صيتها وحظيت برواجٍ كبيرٍ واحتفى بها سارتر وألبير كامو وغيرهما، ثم نال صاحبها بعد ذلك جائزة نوبل. وكذلك حال بيكاسو - أشهر رسّامِي فرنسا والعالم - حين عرض إحدى لوحاته بدولار واحد كي يتناول وجبة غداءٍ بثمنها ولكنه لم يجد من يأبه بها ويشتريها؛ ثم لما أخذت الأيام دورتها إذ باللوحة نفسها تباع بنصف مليون دولار كما ذكر ذلك علي حسين في كتابه الجميل (في صحبة الكتب).
أما ظاهرة انهماك الروائيين والروائيات في تفسير رواياتهم وتأويلها فقد بدت طافيةً على سطح المشهد الأدبي؛ إذ يجتهد بعض الروائيين والروائيات -عند استضافتهم في برنامج ما – في تفسير أعمالهم الروائية ابتداءً من عتبة العنوان حتى عتبة الخاتمة، وكأنهم لا يزالون يملكونها. إنهم يُخربون نصوصهم بأيديهم، وكان خليقًا بهم ألّا يفسدوا هذه النصوص بالشرح والتعليل، وأن يتركوا القارئ ينتشي بلذة القراءة والتأويل، ولعلّي أتفق مع أمبرتو إيكو الذي يرى أنَّ السارد ليس مُضطرًّا إلى تقديم تأويلات لعمله، وإلا لما كانت هناك حاجة إلى أن يكتب رواية؛ فالروايات هي في الأصل آلات مولِّدة للتأويلات، بيد أنَّ هذا لا يصادر في الآن نفسه حقّ الكاتب في أن يبيّن كيف ولماذا كتب ما كتب، فضلًا على أنَّ من حقِّ الكُتّاب أن ينافحوا عن أعمالهم الإبداعية، وأن يقفوا في وجه التأويلات التافهة.
وثمة ظواهر أخرى أيضًا قمينٌ بنا الوقوف عليها ومحاورتها، وهي ظواهر تتعلَّق بالنقاد والباحثين وطرائق تلقّيهم النصوص الروائية، ومنها: ظاهرة الأحكام النقديَّة الانطباعية التعميمية التي لا تقوم على أسسٍ منهجية في الأغلب؛ فلا تُقدِّم دليلًا ولا تشفي غليلًا؛ فالناقد الانطباعي كالطبيب العام الذي يستقبل كل حالة، فيسلك دروبًا شتّى للبحث عن الإشكالات الظاهرة؛ مما يفضي إلى تخمينات وأدوية قد تفيد وقد لا تفيد. أما الناقد المنهجي فهو كالاستشاري المتخصص الذي يعرف طريقه الموصلة إلى كُنه الجسد وإشكالاته المضمرة؛ فيُشخِّص ويُعالج على نحوٍ أكثر دقة وعمقًا. فضلًا على أنَّ إطلاق بعض الأحكام النقدية، كقولهم: أفضل رواية، وأجمل قصة قصيرة، وأعظم مسرحية، وما شابهها من عبارات التفضيل والتعميم – لا تعدو أن تكونَ وصايةً نقديَّةً، وتسفيهًا لبقيَّة المُتلقِّين، وقتلًا لتعدُّد القراءات، فثمَّةَ فَرْقٌ كبيرٌ بَيْنَ اقتحام الناقدِ أسوارَ النَّصِّ الإبداعي بنَفْسٍ حاكِمةٍ جائِرَة ونَفْسٍ مُتَسائِلَةٍ حائِرَة؛ ففي مقاربة النصوص الإبداعية حسبُكَ أن تُثيرَ الأسئلة لا أنْ تُقدِّمَ إجاباتٍ جاهزة وتأويلاتٍ مُبتذلة ترتمي في فضاء غيرالممكن والجزْم والانحياز. فليس الناقدُ إلّا فنَّانًا مسرحيًّا على خشبة الفضاء الأدبي؛ ينبغي أن يُقنعَ المشاهدينَ والمُتلقِّينَ باحترافيّته ومنظوره ورؤيته - عبر لغته وأدواته وتنقُّلاته وانهماكه في النص وتقمّصه، بل حتى في مغامرته وخروجه عن النص شريطة أن يكون خروجًا مُسوَّغًا ومغامرةً محسوبة.
ومن الظواهر التي التصقت ببعض النقاد والكُتَّاب أيضًا على حدٍّ سواء: ظاهرة الانحياز الأيديولوجي؛ فعلى الرغم من أنَّ الروايةَ نصٌّ موازٍ لا يجسِّد الواقع نفسه بقدر ما يعيد صياغته وفق رؤية المبدع، إلّا أنَّ القارئ لا يعدم الظفر بكثيرٍ من القرائن السردية التي تشي بتواري النزعة الحيادية لدى الكاتب، وسقوط النَّصِّ في فخاخ التحيُّز الأيديولوجي المكشوف. وهذه التحيُّز ينسحب أيضًا على كثيرٍ من النقاد الذين لا يستطيعون التحرُّر من قيود أفكارهم ورؤاهم، ولا يرومون الانفكاك من ربقة علاقاتهم الشخصية. وفي ظنّي أنَّ الكاتبَ المُؤدْلَجَ أشدّ سُوءًا من القارئ المُؤدْلَج، لكنَّ الأسوأَ منهما هو الناقدُ المُؤدلَجُ الذي يُحاكِم الناصَّ قبل النَّصّ والقاصَّ قبل القصّ. إنَّ موضوعية النقد وحياديته تتضاءلُ في الغالب حينما يتعمَق الاختلاف الأيديولوجي بين الذات المُنتجة للنص والذات الناقدة له، وفي المقابل فإنَّ الوفاق الأيديولوجي بين الكاتب والناقد غالبًا ما يفضي إلى ضياع القيمة الفنيّة للنَّص؛ ذلك أنَّ انحياز الناقد إلى المواقف الأيديولوجية والشخصية في الأعمال الإبداعيَّة - على حساب الأبعاد الشِّعريّة والتقنيّة، كُلّ ذلك يُقوِّض بالضرورة منازل المنهجيَّةِ ويشيِّد على أنقاضها أحكامًا نقديَّةً تفتقر إلى الدقَّة والانصاف والموضوعيَّةِ.
ولعلَّه لا يفوت وعي القارئ الحاذق أنَّ الأدلجة ليست حكرًا على تيار نقديٍّ دون آخر؛ فمن النقاد أيضًا من يصل بهم الأمر إلى أبعد من الأدلجة، وهو الترفُّع أصلًا عن مقاربة بعض المنجزات الإبداعية بسبب الاختلافات الأيديولوجية والشخصية مع كُتَّابها. إنَّ الناقد - وهو «الوسيط المهم» كما يسميه ويليك ووارين - ينبغي له عند ولوج النصوص الإبداعية ومقاربتها أن يرفع شعارَ الموضوعية أو النقد في درجة الصفر مع المحافظة على المسلَّمات والمبادئ العُليا التي تحقق الاتزان النقدي بعيدًا عن الطوباوية المفرطة والعدميَّة المتهافتة والإسقاطات الديستوبيَّة والانغلاق الأيديولوجي، كما يلزم الناقد أن يكونَ متوكِّئًا على ذخيرةٍ معرفيَّة ومُتسلِّحًا بأدواتٍ نقدية تؤهِّله لخوض غمار قراءاتٍ نقديَّة نوعيَّةٍ تفيد من التراث وتستوعب المناهج والنظريات الحديثة. وتأسيسًا على ما تقدَّم فإنَّني أرى أنَّ النقادَ أربعةٌ: ناقد فنّي: تحرّكه غاياتٌ فنيةٌ وجماليَّة؛ فلا يجامل على حساب النص. وناقد اجتماعيّ: تحرّكه دوافعُ اجتماعية تتمثَّلُ في مكانة المبدع وقُربه وجنسه. وناقد أيديولوجي: تحرّكه الأيديولوجيا؛ فرضاه وسخطه متعلقان بالتوجه الفكري للنص وإن كان على حساب الجودة الفنية. وناقد نفعي (براغماتي) ينتقي من النصوص ما يحقق مصلحته الشخصية.