عبدالله العولقي
ماهو الحبُّ؟ كثيراً ما يتداولُ الحكماءُ والفلاسفة هذا التساؤل الإنساني العميق، وهنا قدْ نجدُ تبايناً شاسعاً في تفسير معنى الحب أو تعريفه لأنّه من الخصوصيّات النفسيّة التي يختلف الأشخاصُ في تناول معناه بقدر اختلاف تجاربهم الإنسانيّة، وهذه الحيرة النفسيّة حول معنى الحب هي التي جعلت أمير الشعراء ينشد:
يقولُ أناسٌ لو وصفتَ لنا الهوى
لعلّ الذي لا يعرفُ الحبَّ يعرِفُ
فقلت لقدْ ذقْتُ الهوى ثمّ ذقته
فوالله ما أدري الهوى كيف يوصف؟!
فرأي شوقي حولَ الحبِّ منْ أعمق الآراء النفسيّة التي تتعلق بمفهوم الحب لكونه من أوسع المعاني وأكثرها تعقيداً، فهو ذلك الشعور الذي يضم التناقض النفسي والتباين الروحي عندما يجمعُ الراحة والألم، القوة والضعف، السيطرة والخضوع، فهو الشعورُ الذي حاولَ كثيرٌ من علماء النفس تشريحه علميّاً ولكنّهم أخفقوا في مساعيهم عندما جاءتْ دراساتهم وأبحاثهم متباينة في نتائجها!
لو تأمّلنا في حضور معنى الحب داخل الآداب الإنسانيّة منذ فجر التاريخ لوجدنا ذلك الحبّ يتأصّلُ كتلازميّةٍ ثنائيّةٍ مع كافّة فنون الأدب، أي ثنائيّة الحب/الأدب، أو الحب/الشعر تحديداً، فإذا تناولنا أدبنا العربي وأقدم قصائده في التراث العربي لوجدنا حضور الحب ومعانيه بكثافة داخل تركيبة القصيدة الجاهليّة، ولو بحثنا عنْ تفسيرٍ منطقيٍّ لما وجدنا إلا التفسير النفسي ببُعْدِه الأنثروبولوجي الذي يُعطي الفطرة أو الغريزة بُعداً في تحليل هذه الظاهرة، فالحاجة الغريزيّة تظهرُ هنا مع امتزاج تلك الثنائيّة الحب/الأدب بتركيبةٍ عميقةٍ متداخلةٍ لتُحدثَ صدىً إبداعيّاً يتلقّفه الآخر أو المحيط المجتمعي من حوله بشيء من الدهشةِ والإعجاب، فردّة الفعل الإيجابيّة من الآخر تعطي دعماً لهذا التفسير الإنساني العميق الذي يصل بأبعاده إلى توثيق هذه الثنائيّة حفظاً ورواية وتدويناً، وربّما تلحق هذه الثنائيّة شيئاً من الإضافات الشفهيّة أو بعضاً من التوابل الحكواتيّة حتى تصل الرواية المحكيّة إلى المرحلة الأخيرة التي تمنح الدهشة الكاملة عند المتلقّي، وتدريجيّاً حتّى تتحول إلى مرحلة الأسطورة، ففي التراث الإنساني نجد حكاية أنطونيو وكليوباترا والتي لا شك أنّ هذه الثنائية قد اعتراها التحريف مع عامل الزمن، بلْ إنّنا نجدُ حتّى في تراثنا العربي حكاية قيس وليلى، وقدْ وصلتْ بعضُ أحداثها وقصصها إلى درجةٍ كبيرةٍ من التزوير الأدبي حتّى قال الجاحظ: ما ترك الناسُ شعراً مجهولاً إلّا ونسبوه إلى مجنون ليلى!!.
ففي الشعر العربي عموماً نجد أنّ طرف الحب الأول (الذكورة) يحوز على درجة الفصاحة، أو القدرة على التعبير الأدبي عن مشاعر الحب، وهذا لا يعني ندرة الشاعرات في تراثنا الأدبي، ولكنّ الحديث هنا عن النسبة الأعظم، فالذكورة هنا هي منْ تُعطي حقّ التعبير عن الحب، ومن ذلك حق الرمز للطرف الآخر، هذا الرمز الذي تعددت الآراء في تفسيره، هل هو تمويه حتى لا يُفتضح أمر العلاقة؟، أم نوع من ترف التدليل، أم الأمرين معاً، هذا نجده تجاه رمز الأنثى فاطمة أو (فاطم)، ليقولَ امرئ القيس:
أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ
وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
ويقول المثقّب العبدي:
أَفاطِمُ قَبلَ بَينِكِ مَتِّعيني
وَمَنعُكِ ما سَأَلتُكِ أَنْ تَبيني
ويقول المُرقّش:
أَفـاطِمَ لَوْ أَنَّ النِّساءَ بِبَلْدَةٍ
وأَنْتِ بأُخْرَى لاتَّبَعْتُكِ هائِما
ليتحوّل الرّمز في العصر الأُموي إلى هند، فيقول عمر بن أبي ربيعة:
لَيتَ هِنداً أَنجَزَتنا ما تَعِد
وَشَفَت أَنفُسَنا مِمّا تَجِد
فعندما يقول العاشق القديم: هنّدتْني، أيْ فتنتني بالمغازلة، فيقولُ بشارُ بن برد:
طال في هندٍ عتابي
واشتياقي وطلابي
فقدْ تحوّلت هند في ثقافتنا العربية إلى رمزٍ أنثوي داخل علاقة الحب حتى في العصر الحديث، فيقول أحمد شوقي:
لقدْ لامني يا هندُ في الحبِّ لائمُ
مُحبٌ إذا عُدّ الصحابُ حبيبُ
ويقولُ إبراهيم ناجي:
يا أخت هندٍ خبّريها أنّني
صبٌ يعيشُ بمهجةِ المتألمِ
لكنّ الرمزيّة الأكثر التصاقاً في الذاكرة العربية كان من نصيب ليلى، ولا شكّ أنّ ليلى العامرية محبوبة قيس هي الملهمة الأولى لهؤلاء الشعراء والأدباء حتّى في الأدب الصوفي عندما نجدُ شعراءَ الصوفيّة يتغنون كثيراً باسم ليلى في قصائدهم، فيقول محي الدين بن عربي:
سلبتْ ليلى منّيَ العَقلَ
فقلتُ يا ليلى ارْحمي القتلى
فأصبح هذا الاسم (ليلى) رمزاً يُعبّرُ به الشاعرُ عن محبوبته، بصورةٍ مباشرة أم غير مباشرة:
الليل يا ليلى يُعاتبني
ويقولُ لي سلّمْ على ليلى
فثنائيّة الأدب/الحب في ثقافتنا العربية قد تطورت خلال القرن الماضي بتطور الحياة العصريّة، فمع تطوّر آليات البريد وخدماته عبر العالم نشأ أدب الرسائل، وبرزت أديباتٌ كبيراتٌ من خلال هذا الفنّ الحديث، فهو أدبٌ إنشائيٌّ قدْ أعطي للأنثى الأديبة مساحةً أكبر للرد على الخطاب الذكوري، فلمْ تعدْ الفصاحة ترتبطُ في المفهوم الشعري فقط، ففي هذا الأدب نجد انعكاساً جليّاً لتلك الصورة، بمعنى أنّ الأنثى هنا هي التي تتجنّى أحياناً على ذكورة العاشق، فقدْ قيل: إنّ مي زيادة كانت تستمتع بعذاب الذكورة من حولها، عباس محمود العقاد وطه حسين ومصطفى صادق الرافعي وأحمد أمين وغيرهم، فكل هؤلاء صرّحوا بعشقهم لها ولكنّها كانت تكتفي أمامهم بالابتسامة الذكيّة والعبارة الأدبيّة الآسرة التي تجعل الذكورة في منتصف الطريق، فلا تقطع أملاً في الحب ولا تُنهي العلاقة من أساسها، وفي كتاب (رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان)، سنجدُ غرور الأنثى الكاتبة التي نشرتْ رسائل العاشق بعد وفاته بربع قرن والتي تضمّنت ضعف الذكورة وخضوعها أمام الأنثى، فبين أسطر الكتاب ينتاب القارئ الدهشة من كمية الحب التي سردها قلم الكنفاني في محبوبته، هنا حيث يتدخل عامل الزمن في حبه لها لتراه يكتب في كل وقت، في حله وترحاله، ليله ونهاره، حتى تصل الدهشة إلى ذروتها عندما يدرك القارئ مرحلة خيبة الذكورة ومشاعر الابتذال التي تمنحها الأنثى للولهان بها! يقول غسان: لا أستطيع أن أقول لك: أحبك، لكني أستطيع أن أكتب الكلمة فوق جبينك، بصمتٍ وأنا نائم، لتلتقطها أصابع أحلامك، فقلبي ممتلئ بحضورك وأنت غائب، لترد عليه: لقد أرعبتني، لإنكِ جئت بالإحساس الصح، في التوقيت الخطأ، والمكان الخطأ، والعمر الخطأ!!.
ويقولُ الأستاذُ إحسان عبّاس في كتابه عن شاعر العراق بدر شاكر السياب بأنّه أنفق حياته القصيرة وهو يبحثُ عن القلب الذى يخفقُ بحبّه دونَ أنْ يجده، وكان افتقارُه إلى الوسامة هو القفل المصمت على القلوب العديدة التى حاولَ أنْ يفتحها، فكم استأنس مخدوعاً بغمزةِ عين!، ونَسَجَ من شعاعها قصة حبٍّ واهمةٍ يخدر بها أخفافه، ولكنّه فى قرارة نفسه واعياً بأنّ الحبّ فى كلّ مرةٍ كان منْ جانبٍ واحد، ولعلّ هذا أحد أسباب مأساته العنيفة في قصة حبّه –من طرفٍ واحد- للشاعرة لميعة عباس عمارة التي قال فيها: ذكرتك يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطار، وهذه المأساة لا تبعد عن مأساة الشاعر المبدع إدريس جمّاع الذي فقد عقله في آخر أيّامه وأُدخل مستشفى المجانين، وعندما أراد أهله أن يعالجوه في الخارج رأى في المطار سيّدةً جميلةً برفقة زوجها، فأُعجب بها، وأطالَ النظر بها والزوج يحاولُ أنْ يصدّه عنها، فأنشد يقول:
أعلى الجمال تغارُ منّا!
ماذا علينا إذا نظرنا!
هي نظرةٌ تُنسي الوقار
وتُسعدُ القلبَ المعنّى
أنتِ السماءُ بدتْ لنا
واسْتعْصمت بالُعندِ عنّأ
أمّا الآن ومع تطوّر التقنية وانفجار ثورة تطبيقات التواصل الاجتماعي، يبدو أنّ ثنائيّة الحب/الأدب قدْ تطوّرت أيضاً، فأدبُ الرسائل التقليدي قدْ ذهبَ بريقُه إلى الأبد، وأعْني أنّه لمْ يعدْ له ذلك التأثير المعهود، فلمْ يعد لإحساس الانتظار أيّ معنى!، ولمْ تعدْ مشاعر اللهفة لها ذلك الطعم أو الإحساس الإنساني مثلما كان في السابق، فرسالة الواتس تصلُ في ثوانٍ معدودة، حتّى شعراء اليوم ونحن نقرأ إبداعاتهم وروائعهم نجد الأنثى عندهم خيالاً مُجرّداً في الذاكرة، هكذا يقولُ أغلبهم في حواراتهم ولقاءاتهم!، فهلْ غابت حقيقة الأنثى الجسديّة في واقع الحياة حتى يبحث الأديب الفنان لاكتمال ثنائية الحب/الأدب في أعماقه إلى خلْقِها في ذاكرته الشعرية وخياله!، ربّما يكون الأمر كذلك، وإنْ كان كذلك، فهذه ضريبة التقدم التكنولوجي الذي نشهده اليوم، فالخصوصيّة الشخصية أصبحت منتهكة في بعض الأحيان!!، هذه من زاوية، ومن زاوية أخرى يمكننا القول: إنّ وسائل التواصل الاجتماعي قدْ كشفتْ لنا زيف الذكورة أحياناً عندما تدّعي ظُلم الأنثى:
خانتك عيناكِ في ديثٍ وفي كذبٍ
أمْ غرّك البهرجُ الخدّاعُ مولاتي
لتخرجَ ليلى العراقية عبر حسابها الشخصي في الفيس بوك وتردُّ منْ غربتها البعيدة خارج وطنها بغداد بأنّها لم تعشق حسن مرواني على الإطلاق!، وأنها مستاءةٌ جداً لأنه صوّرها في رائعته الأدبيّة بهذا الزيف والتجني!!، فقد أكّدت (ليلى) برمزيّتها في كثير من لقاءاتها أن علاقتها الإنسانية بالشاعر الفصيح إبان لقاءاتهما أثناء الدراسة في معهد المعلمين ببغداد لم تتجاوز مرحلة الصداقة!!، الصداقة ولا شيء غيرها، فلمَ صوّرها المبدع في قصيدته بهذا الغرور والكبرياء؟:
لوكنتُ ذا ترفٍ ماكنتِ رافضةً حبي
ولكنّ عُسْرَ الحال مأساتي!
فقدْ كشفت لنا تقنية التواصل الاجتماعي حقيقة هذا الحب!، ليأخذنا التفكير داخل تاريخنا الأدبي حتى نتساءل عن حال عبْلة في تلك الأزمنة القديمة، فهلْ كانتْ تُبادل عنترة نفس معاني الحب؟، أمْ أنّ حبّه من طرفٍ واحدٍ وهو الذي صوّر لنا عشقها له؟ وبالتالي فطغيان الذكورة الأدبي هو الذي اجتاح خضوع الأنثى وعجزها بالإفصاح عن حقيقة مشاعرها لعنترة!، فربّما تكون إحدى تلك المحبوبات: ليلى وبثينة ولبنى وعزة وهند لا يختلف أمرهن عنْ أمرِ (لميعة) السيّاب أو (ليلى) حسن المرواني!