عايد بن عبدالله الشمري
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، تتزاحم الأخبار عن اليمن، والخليج، وفلسطين، والصراع الإقليمي، حتى يبدو المشهد وكأنه أحداث متفرِّقة بلا رابط. غير أن قراءة التاريخ والحضارة تكشف خيطًا ناظمًا واحدًا: كلما غاب الوعي بالهوية، وتراجع الاهتمام بالجذور الحضارية، اتّسعت مساحة الاختراق الخارجي، وتحوّلت الخلافات السياسية إلى أدوات تفكيك للمجتمعات. ومن هنا، لا تعود الآثار مجرد شواهد من الماضي، بل مفاتيح لفهم الحاضر، وإنذارًا مبكرًا لمسارات المستقبل.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.
فالتعارف الذي قرره القرآن ليس معرفة شكلية، بل وعيٌ بالجذور، وفهمٌ للتاريخ، وبناءٌ للعلاقات على الإدراك لا على الوهم.
وليست الآثار حجارة صامتة، ولا المدن القديمة مجرد أطلال للفرجة، بل سجلّ حضاري حي يشرح كيف قامت الدول وكيف سقطت. فكل مدينة خربة نراها اليوم كانت يومًا ما مركز قرار، وعاصمة نفوذ، ومحل ثقة لأهلها. ويعلّمنا التاريخ أن الانهيار لا يبدأ من الخارج، بل حين يختل التوازن بين الدولة ومجتمعها، وتضعف الهوية، وتغيب الروابط الجامعة.
ولهذا لم تسقط الحضارات الكبرى فجأة، بل بعد مسارات طويلة من التآكل الداخلي والانقسام والاستقواء بالخارج. وقد لخَّص ابن خلدون هذه الحقيقة بقوله إن ضعف العصبية الجامعة مقدّمة لانهيار الدول. ومن هنا، لا يكون الاهتمام بالآثار والتراث ترفًا ثقافيًا، بل أمنًا وطنيًا ناعمًا يعزِّز الوعي، ويحصّن المجتمعات، ويمنع تكرار أخطاء التاريخ.
في الإقليم الحديث، لم تعد الصراعات تُدار بالسلاح وحده، بل بتفتيت القرار وتحويل الدول إلى ساحات تنازع. ويبرز اليمن مثالًا واضحًا على أن وحدة القرار الوطني، والاصطفاف مع الجوار الطبيعي، هو الطريق الأقصر للاستقرار، وأن التكامل الإقليمي يفتح أبواب التنمية ويحمي المجتمعات من التفكك.
وفي هذا السياق، تبرز مبادرة مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل برعاية المملكة العربية السعودية نموذجًا لنهجٍ عقلاني يقدّم الحوار على الصدام، ويجمع الأطراف تحت سقف واحد، إدراكًا بأن الاستقرار لا يُبنى بالإقصاء، بل بالتفاهم وإدارة الخلاف سياسيًا، وهي سنّة أثبت التاريخ نجاعتها أكثر من منطق القوة وحده.
ومن قراءة التاريخ لا الخصومة، يتضح أن هناك قوى لا يَسُرّها تقارب الدول العربية، ولا استقرار الإقليم، ولا عودة الشعوب للاهتمام بتاريخها وحضارتها المشتركة. فإحياء الوعي بالهوية، والبحث في الجذور الحضارية، يُضعف أدوات الاختراق والهيمنة. ولهذا تتعدد وسائل التحطيم والغزو؛ مرة بالسلاح، ومرة بالانقسام، ومرة بتشويه التاريخ، أو التشكيك في أي اكتشاف أثري أو إنجاز حضاري يعيد الثقة للشعوب بأرضها وأصلها.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن القضية الفلسطينية؛ فالاحتلال الصهيوني كان تاريخيًا من أكثر المستفيدين من تفكك الصف العربي وتحويل الصراعات من مواجهة مشروع احتلالي واضح إلى نزاعات داخلية تستنزف المجتمعات وتُضعف الوعي الجمعي. وكلما غابت البوصلة الحضارية، اتّسعت مساحة الاستفادة من الانقسام.
قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا}، في إشارة إلى أن قراءة التاريخ فعل وعي لا ترف.
وفي خضمّ الأزمات المتلاحقة، تبرز أهمية ألّا تنجرف الدول خلف مسارات تُنسيها واقعها الوطني، أو تستنزف طاقاتها دون أفق. فقد قدّمت دول كثيرة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إسهامات إنسانية واقتصادية كبيرة انطلاقًا من مسؤوليتها الأخلاقية، وهو جهد يُقدَّر ولا يُنكر. غير أن إدراك حدود هذه المسؤولية لا يقل أهمية عن ممارستها؛ فليس كل اضطراب قابلًا للمعالجة بالأدوات ذاتها، ولا كل ساحة صالحة للاستنزاف دون رؤية واضحة للاستقرار.
وهنا يبرز دور القوة الناعمة بوصفها خيارًا أقل تكلفة وأعمق أثرًا تاريخيًا. فالتواصل الحضاري، وبناء الوعي، وتعزيز الروابط الثقافية والإنسانية، كثيرًا ما كانت أقدر من قوة السلاح على حماية الاستقرار وصناعة النفوذ المتزن. ويأتي القطاع غير الربحي في قلب هذه القوة، بوصفه جسرًا بين الدولة والمجتمع، يسهم في حفظ الذاكرة، ونقل المعرفة، وإشراك المجتمع في حماية تراثه وهويته، بما يحدّ من الفراغ الذي تستغله تيارات متطرفة أو قوى معادية.
ومن عناصر القوة الناعمة التي لا ينبغي إغفالها، الاستثمار الواعي في الامتداد الاجتماعي العربي، وفي مقدمته القبائل، بوصفها عمقًا اجتماعيًا واقتصاديًا عابرًا للحدود السياسية. فالقبائل ذات الجذور التاريخية، ولا سيما في المملكة العربية السعودية، تمتلك امتدادات محترمة في معظم الدول العربية، وأسهمت تاريخيًا في بناء الثقة والتواصل.
وأبناء هذا الامتداد اليوم يضمون أساتذة جامعات، ودكاترة، وخبراء، ومختصين في شتى المجالات، كما أن كثيرًا من الأسر المشيخية تحظى بحضور واحترام إقليمي ودولي، وتمتلك قدرة طبيعية على حماية أبنائها من الأفكار الضارة، وتوجيههم لخدمة أوطانهم. وحين يُستثمر هذا العمق ضمن رؤية وطنية جامعة، يتحول إلى قوة توحيد، لا تفريق، وإلى أداة ضغط حضارية واقتصادية واعية، أثبت التاريخ أثرها دون صدام.
نموذج إقليمي للاستقرار
في هذا السياق، تحضر المملكة العربية السعودية بوصفها عمقًا عربيًا وإسلاميًا وركيزة استقرار، توازن بين حماية سيادتها وتحمّل مسؤولياتها الإقليمية، وتدير حضورها بوعي سياسي وحضاري. وخلف قيادتها يقف شعبٌ واعٍ بجذوره، مدرك أن حماية الوطن واجب، وأن الكرامة والسيادة خطوط لا يُسمح بتجاوزها.
خاتمة:
قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُو}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا».
وحين تتكلم الآثار، فهي لا تحكي الماضي فقط، بل تذكّرنا بأن الأمم التي تحمي ذاكرتها، وتستثمر قواها الناعمة، وتُحسن قراءة تاريخها، تكون أقدر على حماية أوطانها وبناء استقرارها... من اليمن إلى الخليج.
** **
- رئيس نادي أثر لاستكشاف الحضارات والآثار