مشعل الحارثي
لم يكن صعباً ولا عسيراً على كل مراقب التكهن وملاحظة أن ما جرى من تلك الصورة الدراماتيكية لانفصال (الانتقالي) عن منظومة الحكومة الشرعية في اليمن أنه بمثابة عارض مؤقت ولن يدوم طويلاً، ولسنا هنا بصدد الرجوع إلى خلفيات كل ما حدث ولماذا حدث؟! ومن له المصلحة العظمى فيما حدث؟! وما تلا ذلك من تطورات وإجراءات وقرارات حاسمة وعاصفة أعادت الحق إلى نصابه في زمن قياسي بجهود القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية وقوات درع الوطن بقيادة المملكة العربية السعودية.
ولعل ما حدث هو شبيه بتلك القصص الشعبية والحكايات التي كانت تُروى عن الخليفة هارون الرشيد حينما أراد ذات مرة أن يختبر أحد جلسائه وندمائه بعد أن لمس فيه نزعة إلى السلطة فأراد أن يعرف إلى أي مدى يمكن أن تذهب به أحلامه فنقله على غفلة منه إلى بلاط الخلافة وأمر أن يلبسوه أفخر ثياب الخلافة ويجلسوه على كرسي الخلافة وطلب أن عليهم قبل ذلك وبعد أن يصحوا أن يقنعوة بأنه هو الخليفة ويحضروا له عائلته ليروه في هذا الوضع، والذين ما إن رأوه حتى هبّوا فيه ليعود إلى رشده وإلى حقيقة أمره فتركوه وغادروا القصر، ولكن المسكين صدَّق الكذبة واعتقد فعلاً أنه هو الخليفة وأنه يعيش وسط حاشيته وأخذ يأمر بما يطاق وما لا يطاق وعندما رأى هارون الرشيد أن أمره استفحل وأن داء العظمة وجنونها قد أصابه في مقتل أمر وفي غفلة أخرى أن يعيدوه من حيث أتى ليصحو المسكين من تلك الغفلة ويجد زوجته والمقربين منه وجيرانه من أول الساخطين عليه على تلك الكذبة التي صدقها هو، ولم يتجرعوها ويصدقوا بأن تأتي الخلافة إليه في غمضة عين ودون أن يكون من أهلها ورجالها سوى أنه كان فقط من ندماء وجلساء الخليفة.
ولا شك في أن المتتبع لأحوال العالم اليوم يرى العجب العجاب ويقف العقل تائهاً محتاراً وهو يرى كيف أن المعايير تبدلت، والأنظمة حرفت، وأن النزوات الشخصية والمزاج أصبح هو الحاكم ومصدر التشريع، وسيطرة الهوى وحب الانتفاع، وأن المصلحة هي المحرك الأول لسلب الحقوق وارتكاب الكبائر وعظائم الأمور، وظهور أصحاب مشاريع التغيير الفوضوي ممن يتصرفون بطريقة البلطجية والهمجية في تقرير مصير الأوطان والشعوب، حتى أصبح المغتصب صاحب أرض وحق، والسفاح رجل سلام ومبادئ، والسارق رجل أعمال ومستثمر.
وفي الوقت الذي بدأ فيه العالم على هذه الصورة من الفوضى والاضطراب والتشتت والضياع وانغماسه في وحل الأزمات المتلاحقة والخانقة يأتي إعلان موافقة المملكة العربية السعودية بعد موقفها الشجاع في نجدة الأشقاء باليمن على استضافة مؤتمر الرياض الشامل حول القضية الجنوبية بكافة مكوناتها ليعكس حقيقة دورها الريادي واهتمامها الإقليمي والعربي والدولي بقضايا السلم والأمن والاستقرار ويبرز دورها الأكثر رزانة وقوة وحكمة واعتدالاً في المساهمة الإيجابية في صنع مستقبل آمن للمنطقة وللأجيال.
لقد اثبتت هذه الوقفة الشجاعة والاستجابة السريعة للمملكة العربية السعودية إزاء ما حدث للأخوة الأشقاء في اليمن وما سبقها من مناشدات ومناصحات للعودة إلى جادة العقل والصواب حكمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين ونفاد بصيرته ورؤيته الصائبة للأمور ولتؤكد من جانب آخر على أصالة ثوابتها ومواقفها التي لا تتغير مهما كانت التحديات وما تصادفه في طريقها من عقبات، ولتؤكد أيضاً على المنطلق الحقيقي لقوة هذه البلاد والمتمثّلة في تمسكها بعقيدتها الإسلامية وتلاحمها التاريخي الفريد قيادة وشعباً، وأنها ستظل حصناً حصيناً منافحاً عن الإسلام والمقدسات الشريفة، وعنصر استقرار وأمان في المنطقة وواحة من التسامح والطمأنينة يستظل بها كل من يقهره ما يموج به العالم من تقلبات ونزوات ومغامرات وانحرافات، كما أنها ستظل دوماً وأبداً تمد أياديها البيضاء بالخير والسلام والعطاء للجميع، وغير عابئة بكل تلك الدسائس والأحقاد الدفينة التي تسعى للنيل من مكانتها وسمعتها فالجبل دائماً يظل شامخاً لا تهزه أي ريح عاتية، فكم من خائن وكائد كاد ورجع كيده إلى نحره بفضل الله ثم بفضل قيادتها الرشيدة ورجالها المخلصين الأوفياء، ورغم كل تلك الأعاصير الهائجة المائجة ستمضي المملكة العربية السعودية في مسيرتها التنموية المظفرة بعون الله دون التفات لأولئك المغرضين والحاقدين والمندسين.
وكل ما نتمناه أن يلتئم جمع الإخوة الأشقاء في مؤتمرهم بالرياض وأن يكون النجاح والتوفيق حليفهم فيما يسعون إليه، وأن يكتمل جمع الشمل الخليجي والعربي والإسلامي ويعزّز وحدتهم حتى لا يأتي اليوم الذي تصدق فيه تلك المقولة القديمة (رب بعيد أنفع من قريب).