سلمان المشلحي
مرَّت المنطقة العربية، خلال العقود الماضية، بمخاضات فكرية وسياسية متعدِّدة؛ قوميون، شيوعيون، اشتراكيون، ناصريون، وبعثيون، تصدروا المشهد زمناً، ورفعوا شعارات كبرى، وصالوا وجالوا في ميادين الخطاب والصراع، غير أن معظم تلك المشاريع انتهى إلى الفشل والتلاشي، ولم يبق منها سوى عناوين في ذاكرة التاريخ وتجارب لم تصمد أمام الواقع وتعقيداته.
وفي خضم ذلك كله، ظلت المملكة العربية السعودية ثابتة في مسارها، راسخة في نهجها، بعيدة عن التقلّبات والشعارات العابرة، فالسعودية لم تُبنَ يوماً على ردود الأفعال، ولا على أيديولوجيات مستوردة، بل قامت على أسس راسخة من الدين، والوحدة، والقيادة الحكيمة، دولةٌ ضاربة الجذور في عمق التاريخ، فاعلة في الحاضر، وممتدة الرؤية نحو المستقبل، لم تكن طارئة على المشهد، ولا رهينة لمزاج سياسي عابر أو موجة فكرية مؤقتة.
وعلى الصعيد الإنساني، أدت المملكة دوراً محورياً في إغاثة الملهوفين، ومساندة المتضرِّرين، وجبر الكسور في مناطق متعدِّدة من العالم، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والمزايدات السياسية، فكم من شعوبٍ وجدت في السعودية سنداً، وكم من أزمات كانت المملكة جزءاً من حلولها، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الاستقرار الإقليمي والدولي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مصلحة سياسية.
واليوم، تتبوأ المملكة موقعاً متقدماً في محيطها الإقليمي والدولي، وتقدم نماذج عملية في دعم التنمية، وبناء الدول، ونصرة القضايا العادلة، وترسيخ مفاهيم الأمن والاستقرار، وهو ما جعلها هدفاً لمحاولات التشكيك والتقليل من دورها، محاولات سرعان ما تتبدد أمام الحقائق والوقائع، وتدرك القيادة السعودية طبيعة هذه الحملات، وتتعامل معها بحكمة واتزان، واضعة مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ومؤمنة بأن الفارق بين من يعمل على الأرض ومن يكتفي بالشعارات، كالفارق بين الثرى والثريا، فقد ورث حكّام هذه البلاد الحكم والحكمة كابراً عن كابر.
ختاماً، تبقى مقولة الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- حاضرة في الذاكرة وملخصة لنهج الدولة: «نحن أصفى من العسل الصافي لمن أراد صداقتنا، ونحن السم الزعاف لمن أراد أن يعكر صفونا.»