د. ماجد بن ثامر آل سعود
يُعدّ بناء الإستراتيجية من أهم العمليات الفكرية والتنظيمية التي تحدِّد مستقبل الأفراد والمؤسسات، إذ تمثِّل الإطار العام الذي يوجّه القرارات وينظِّم الجهود ويحوِّل الرؤى إلى واقع عملي، ولا يمكن النظر إلى الإستراتيجية بوصفها خطة قصيرة المدى أو وثيقة جامدة، بل هي عملية متكاملة تبدأ بالفهم العميق للواقع وتنتهي بالقدرة على التكيّف المستمر مع المتغيّرات، فالإستراتيجية الناجحة هي التي توازن بين الطموح والواقعية، وبين الثبات والمرونة.
تبدأ عملية بناء الإستراتيجية بتحديد الرؤية المستقبلية، وهي الصورة الذهنية لما تسعى الجهة أو الفرد إلى تحقيقه على المدى البعيد، وتمثِّل الرؤية نقطة الانطلاق التي تُبنى عليها جميع الخطوات اللاحقة، إذ تمنح الاتجاه وتخلق الدافع. يلي ذلك تحديد الرسالة، التي توضِّح سبب الوجود والدور الأساسي، وما الذي يتم تقديمه ولمن، وبأي أسلوب وقيم. إن وضوح الرؤية والرسالة يسهم في توحيد الجهود ويقلِّل من التضارب في القرارات.
بعد ذلك تأتي مرحلة تحليل البيئة الداخلية والخارجية، وهي مرحلة محورية في بناء الإستراتيجية. فالتحليل الداخلي يركِّز على الإمكانات والموارد المتاحة، ونقاط القوة التي يمكن استثمارها، ونقاط الضعف التي ينبغي معالجتها، أما التحليل الخارجي فيتناول الفرص التي يمكن استغلالها، والتحديات أو المخاطر التي قد تعيق تحقيق الأهداف، ويُعدّ هذا التحليل أساسًا لاتخاذ قرارات إستراتيجية واقعية، لأنه يربط الطموحات بالقدرات الحقيقية والظروف المحيطة.
ثم تنتقل عملية بناء الإستراتيجية إلى مرحلة صياغة الأهداف الإستراتيجية، وهي الأهداف الكبرى التي تُترجم الرؤية إلى نتائج قابلة للتحقيق. ويُشترط في هذه الأهداف أن تكون واضحة ومحددة وقابلة للقياس نسبيًا، وأن تنسجم فيما بينها دون تعارض، كما يجب ترتيبها حسب الأولوية، لأن التركيز على عدد محدود من الأهداف الجوهرية يزيد من فاعلية التنفيذ ويمنع تشتيت الموارد.
تلي ذلك مرحلة اختيار البدائل الإستراتيجية وتحديد المسار الأنسب للتنفيذ، حيث يتم المفاضلة بين عدة خيارات بناءً على التحليل السابق. وفي هذه المرحلة تتجلَّى أهمية التفكير الإستراتيجي، إذ لا يكفي اختيار الخيار الأكثر جاذبية نظريًا، بل ينبغي اختيار البديل الأكثر توافقًا مع الإمكانات والظروف، وبعد اختيار المسار، تُترجم الإستراتيجية إلى خطط تنفيذية وبرامج عملية تتضمن مبادرات واضحة، وجداول زمنية، وتحديدًا دقيقًا للمسؤوليات.
ولا تكتمل عملية بناء الإستراتيجية دون وضع آليات للمتابعة والتقييم. فالتنفيذ هو الاختبار الحقيقي لأي إستراتيجية، وغالبًا ما تظهر فجوة بين ما هو مخطط وما هو مطبّق. لذلك تُعدّ المتابعة الدورية وقياس الأداء عنصرين أساسيين لضمان السير في الاتجاه الصحيح، مع ضرورة إتاحة المجال للتعديل والتصحيح كلما استدعت الظروف ذلك، لأن البيئة المحيطة تتسم بالديناميكية والتغيّر المستمر.
بعد استعراض جميع مراحل بناء الإستراتيجية، أرى من وجهة نظري الشخصية أن أكبر خطأ يقع فيه الكثيرون هو التعامل مع هذه المراحل على أنها خطوات شكلية تُنفّذ لإنتاج وثيقة رسمية فقط. في الواقع، قيمة الإستراتيجية لا تكمن في جمال صياغتها، بل في مدى صدقها وارتباطها بالواقع. الإستراتيجية التي تُبنى دون قناعة حقيقية أو وعي عميق بالظروف المحيطة تظل حبرًا على ورق مهما بدت متقنة.
كما أعتقد أن إشراك المعنيين في مختلف المراحل، من التحليل إلى التنفيذ، هو عامل حاسم في نجاح الإستراتيجية. فالمشاركة تعزِّز الشعور بالمسؤولية، وتزيد من فرص الالتزام، وتكشف زوايا قد لا يراها صانع القرار بمفرده، فالإستراتيجية التي تُبنى بعقل واحد غالبًا ما تكون أضيق أفقًا من تلك التي تُبنى بتفاعل جماعي منظّم.
وأرى أيضًا أن المرونة تمثِّل جوهر الإستراتيجية الناجحة، لا سيما في عالم سريع التغيُّر. فالتشبث الأعمى بالخطة الأصلية رغم تغير الظروف قد يؤدي إلى خسائر كبيرة. الإستراتيجية الذكية هي التي تحافظ على ثبات الهدف مع مرونة الوسائل، وتُراجع نفسها باستمرار دون أن تفقد هويتها أو قيمها الأساسية.
وفي الختام، فإن بناء الإستراتيجية عملية فكرية متكاملة تتطلب وضوح الرؤية، ودقة التحليل، وحسن الاختيار، وفاعلية التنفيذ، واستمرارية التقييم، وعندما تُمارس هذه العملية بوعي وصدق، وتُدعم بقيم راسخة ومشاركة حقيقية، تصبح الإستراتيجية أداة فاعلة لتحقيق النجاح والاستدامة، لا مجرد خطة مؤقتة أو إجراء إداري.