عايض بن خالد المطيري
في مشهدٍ إقليميٍّ مضطرب، تتزاحم الصور القادمة من حدودنا الغربية والجنوبية، حيث السودان واليمن، بصراعاتٍ مؤلمة بين أبناء الأرض الواحدة، وإخوة الدم والجوار. مشاهد اقتتالٍ وسفكٍ للدماء، وتشريدٍ للأسر، وخرابٍ يطال الإنسان قبل المكان، تجعل المتابع يقف أمام سؤالٍ ثقيل: كيف تنقلب الأوطان على ذاتها حين يغيب صوت الحكمة وتضعف قبضة الدولة؟ هذه الصور القاسية لا تمر على الوجدان مرورًا عاديًا، بل تترك أثرًا حزينًا في القلب، وتدفع إلى تأملٍ أعمق في معنى الاستقرار حين يتحول من شعارٍ سياسي إلى واقعٍ يومي.
وفي اللحظة ذاتها، يطل المشهد من الداخل السعودي مختلفًا تمامًا. لا صخب رصاص، ولا انقسام قبلي، بل صورة أخرى للحياة. في صياهد رماح شرق الرياض، يحتشد الآلاف في مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل، حيث تتلاقى القبائل من مختلف مناطق السعودية ودول الخليج، في تنافسٍ منضبط تحكمه الأنظمة، وتظله روح الفرح، ويجمعه الاعتزاز بالموروث الشعبي والهوية الوطنية. مشهد اقتصادي وثقافي ضخم، تتحول فيه القبيلة من أداة صراع، كما في بعض الدول المنكوبة، إلى مكوِّن أصيل في بناء الدولة وتعزيز وحدتها.
هذا التباين الحاد ليس وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل من ترسيخ مفهوم الدولة، وسيادة النظام، وتقديم مصلحة الوطن على أي انتماءٍ ضيق. تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده، تشكَّل الأمن في السعودية كقيمةٍ عليا لا تخضع للمساومة، وكتفاهمٍ جمعي يتشارك فيه المواطن قبل رجل الأمن. لذلك لم تعد القبائل في السعودية كياناتٍ متنافسة، بل جسدًا واحدًا، تختلف جذوره وتتحد غاياته.
بين صور الدم في الجوار، وصور الابتسامة في الداخل، يدرك السعودي أن ما ينعم به ليس أمرًا عادياً، بل نعمة تُصان بالوعي، وتُحرس بالولاء، وتستحق شكرًا يتجاوز الكلمات إلى سلوكٍ ومسؤولية. فالأوطان لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تنجح في حمايته من الانقسام، وبما تمنحه لأبنائها من طمأنينةٍ تستحق أن تُحمد.