د.فيصل خلف
الطب لم يكن يومًا مجرد مهنة تُقاس بالمقابل المادي، بل هو من أشرف المهن الإنسانية التي وُجدت أصلًا لصون الحياة وحماية الإنسان، دون تمييز أو انتظار مقابل، فجوهر العمل الطبي يقوم على رؤية الإنسان أولًا، قبل أي اعتبارات أخرى، مالية كانت أو إدارية.
وفي هذا السياق تبرز الحالات الطارئة باعتبارها الاختبار الحقيقي لقيم الممارسة الطبية، فالطوارئ لا تحتمل التأجيل، ولا تقبل المساومة، ولا يمكن إخضاعها لمنطق الحسابات أو الموافقات.
إنقاذ الأرواح يجب أن يكون القرار الأول والأخير، لأن الدقيقة في هذه الحالات قد تعني حياة أو فقدانها.
على سبيل المثال من غير المنطقي - بل من غير الإنساني - أن يُنقل شخص مصاب في حادث مروري، ينزف أو يواجه خطرًا حقيقيًا، ثم يُعلَّق تقديم العلاج بانتظار موافقة شركة التأمين الطبي. في مثل هذه اللحظات، يصبح الإجراء الإداري عبئًا أخلاقيًا، لا مجرد تأخير تقني، وهنا تتضح الفكرة الأساسية من القرار الصادر بحظر اشتراط الموافقة المسبقة لعلاج الحالات الطارئة، فهو قرار يعيد ترتيب الأولويات، ويفصل بين الواجب الطبي العاجل والإجراءات الإدارية اللاحقة، وهو يعد بتحقيق معادلة عادلة وهي «علاج فوري بلا عوائق، ثم تسوية تنظيمية بعد استقرار الحالة، دون أن يدفع المريض ثمن الوقت».
تكمن أهمية هذا القرار في عدة جوانب جوهرية، أنه يحمي حياة الإنسان بوصفها قيمة عليا لا تخضع للتفاوض، وأنه يعزز الثقة بين المجتمع والمنظومة الصحية، ويؤكد أن المريض ليس رقم وثيقة تأمين، بل إنسان له حق أصيل في العلاج، وأنه يرفع عن الأطباء ضغطًا أخلاقيًا ثقيلًا، حين يُجبرون على الاختيار بين ضميرهم المهني والتعليمات الإدارية.
هذا التوجه يعكس بوضوح أن المملكة العربية السعودية ماضية نحو تطوير نظام صحي أكثر مرونة وإنسانية، يضع المريض في قلب المنظومة، ويمنح الكادر الصحي مساحة لاتخاذ القرار الطبي الصحيح في الوقت الصحيح، بما يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية.
وما يحسب لهذا القرار أيضًا أنه يرسخ ثقافة مؤسسية جديدة، مفادها أن الأنظمة وُجدت لخدمة الإنسان، لا لتعقيد لحظاته الحرجة، فالأنظمة الذكية هي التي تعرف متى تتراجع خطوة، لتمنح الحياة حقها الكامل في الاستمرار.
ختامًا فإن حماية الأرواح لا تحتاج إلى تبرير، والطب حين يعود إلى جوهره الإنساني، يصبح أكثر عدلًا وأكثر ثقة وأكثر قدرة على أداء رسالته النبيلة.
القرارات التي تنتصر للإنسان أولًا، هي وحدها القادرة على بناء نظام صحي يُحتذى به.