أحمد آدم
عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبى لم يتطرق الشك لأحد أن هناك مخاطر قد تواجه استمرارية الاتحاد الأوروبى وكينونته بل إن أمريكا واليابان وألمانيا وفرنسا قد حذرت بريطانيا آنذاك من أن خروجها من الاتحاد الأوروبي سيؤثر سلباً على مكانتها بوصفها قوة تجارية عالمية، وصرح الرئيس الأميركي باراك أوباما وقتها إن بريطانيا ستأتي في «مؤخرة الصف» في ما يتعلق بإجراء مباحثات مع الولايات المتحدة إلا أن توالي الأحداث خلال العام الماضي وبداية هذا العام قد دفعتنا دفعاً للتفكير في بحث مستقبل الاتحاد الأوروبي في ظل الأحداث العالمية الجارية ولم لا وهو الشريك التجاري الأهم لدول منطقة الشرق الأوسط العربية.
ماهية الاتحاد الأوروبي
تأسست الجمعية الدولية المعروفة بالاتحاد الأوروبي على هامش معاهدة ماسترخت المبرمة في عام 1992م وهي عبارة عن تجمع لسبع وعشرين دولة أوروبية. ويعتبر نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية واحداً من أهم المبادئ التي نادى بها الاتحاد الأوروبي مع الحرص على بقاء المؤسسات تحت الحكم بمقدار معين من الصلاحيات الممنوحة للدول الأوروبية، لذلك ليس من الممكن وصف هذا الاتحاد بأنه اتحاد فيدرالي نظراً لانفراده بنظام سياسي مميز على مستوى العالم ويمارس الاتحاد الأوروبي عدداً من الأنشطة من أبرزها صفته كسوق موحد وبعملة واحدة، أما عن عملة الاتحاد الأوروبي فيتخذ الاتحاد من اليورو عملة واحدة ورسمية له كما ينتهج سياسات زراعية موحدة فيما بين دولة بالإضافة إلى سياسة صيد بحري واحدة.
تبلغ المساحة الإجمالية للاتحاد الأوروبي نحو 4 ملايين كيلومتر مربع أي ما يعادل نسبة 42.2% من مساحة القارة الأوروبية يعيش فيه نحو 450 مليون شخص يتكلمون 24 لغة رسمية ويشكل المسيحيون نحو 72 % من سكانه.
أهم الأحداث التى تهدد استقرار
وكينونة الاتحاد الأوروبي
الواضح أن الاتحاد الأوروبى بات يواجه مصاعب كبيرة تهدد كينونته سنتحدث عنها فيما يلي
1 - تصاعد شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا.
تدهور الأحوال المعيشية للمواطنين أدت لزيادة الشعور بالإحباط واليأس وجعلهم أكثر عرضة للتأثر بخطابات اليمين المتطرف التي تقدم حلولاً بسيطة وسهلة للمشاكل المعقدة كما يصور اليمين المتطرف المهاجرين على أنهم تهديد للهوية الوطنية والأمن والاقتصاد، ويستغل اليمين المتطرف هذه المخاوف لتقديم نفسه كمدافع عن الهوية الوطنية والقيم التقليدية مما أدى لتزايد شعبيته. وهناك دلالات على تصاعد اليمين المتطرف في الدول الأوروبية تمثلت في:
(أ) في إيطاليا فاز حزب (إخوة إيطاليا) اليميني المتطرف بزعامة جورجيا ميلوني في الانتخابات العامة لعام 2022 وأصبحت ميلوني أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في إيطاليا.
(ب) في فرنسا حقق حزب (التجمع الوطنى) اليمينى المتطرف بزعامة مارين لوبان نتائج قوية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة.
(ج) في السويد حقق حزب (ديمقراطيوالسويد) اليمينى المتطرف نتائج قوية في الانتخابات العامة الأخيرة وأصبح جزءًا من الائتلاف الحاكم.
(د) في الانتخابات الأوروبية لعام 2024 استحوذ اليمين المتطرف على غالبية المقاعد في البرلمان الأوروبي.
(هـ) الانتخابات المبكرة التي حدثت في 23 فبراير من هذا العام في ألمانيا شهدت تواجدا مؤثرا لحزب (البديل من أجل ألمانيا) اليميني المتطرف.
والجدير بالذكر أنه في ظل تولي ترامب لرئاسة أمريكا ودعوة ايلون ماسك أقرب المقربين منه آنذاك للناخبين الألمان لاختيار اليمين المتطرف للفوز بالانتخابات التشريعية والذي يمثله حزب البديل من أجل ألمانيا والذى تتولى رئاسته اليس فايدل والتى يرشحها الحزب لتولي منصب المستشار وسياسات هذا الحزب تشدد على اغلاق حدود ألمانيا بالكامل ورد كل المهاجرين غير النظاميين فضلاً عن الانسحاب من نظام اللجوء المعتمد في الاتحاد الأوروبي والأهم أن خارطة الطريق التى أعدها حزب البديل من أجل ألمانيا تتضمن خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبى وتخليها عن اليورو.
وقد زاد نفوذ الأحزاب الشعبوية والمعارضة التي تستغل الأزمات السياسية لانتقاد النظام التقليدي وتحقيق مكاسب شعبية وحالة عدم الاستقرار قد تخلق حالة من الانقسام والاستقطاب في المجتمع تزيد من احتمالات نمو التطرف والشعبوية، وبصفة عامة صعود اليمين المتطرف في أوروبا قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في السياسات الأوروبية وخاصة فيما يتعلق بالهجرة والأمن ويزيد من الانقسامات الاجتماعية والسياسية في أوروبا ويهدد القيم الأساسية للاتحاد الأوروبي مثل التسامح والتعددية.
2 - إعلان ترامب عن الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي:
الخميس الموافق الرابع من شهر ديسمبر2025 تم الإعلان عن وثيقة إستراتيجية للأمن القومي الأمريكي تمحورت الوثيقة والتي أصدرتها إدارة الرئيس دونالد ترامب حول مبدأ «أمريكا أولاً» وتضمنت تحولاً جذرياً في العقيدة الاستراتيجية لواشنطن من قائد للعالم إلى قوة تسعى لـ «تحصين القلعة الداخلية» فترغب أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي حيث حددت الوثيقة أن الأولوية القصوى هي «تأمين الحدود» والهيمنة على الأمريكتين (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية) كمنطقة اقتصادية وأمنية حصرية. الوثيقة أيضا تصف الاتحاد الاوروبى والناتو بأنهم «عبء استنزافي» على الخزانة الأمريكية. وتؤكد على عدم وجود خطط لتوسيع حلف الناتو مما يعزز سيناريو «عقد رابع بلا أوروبا موحدة». كما وجهت الوثيقة انتقادات لاذعة للحلفاء الأوروبيين مشيرة إلى أن أوروبا تواجه «زوالاً حضارياً» اقتصادياً وثقافياً ودعت دول الناتو إلى تحمل المزيد من الأعباء المالية والدفاعية الخاصة بها. كما دعت إلى «إعادة الاستقرار الإستراتيجي» مع روسيا وإنهاء الحرب في أوكرانيا بسرعة. كما تعلن الوثيقة صراحةً دعم واشنطن للأحزاب الوطنية القومية (أحزاب اليمين المتطرف) في جميع أنحاء القارة لتصحيح مسار أوروبا. الانسحاب التكتيكي والدفع نحو التفكك: تشير الوثيقة ضمناً إلى أن الالتزامات الأوروبية لم تعد أولوية مما يترك القارة تواجه تحدياتها الأمنية والاجتماعية بمفردها.
هذا التخلي كان متوقعاً فقد سبق وأيد دونالد ترامب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذا بخلاف أن لديه اعتقادا راسخا بأن الاتحاد الأوروبي تم تكوينه في الأساس لمحاربة أمريكا اقتصاديًّا. وقد بدأ ترامب منذ بداية ولايته في 20 يناير 2025 في مواصلة نهجه في استخدام التهديد بفرض رسوم جمركية كأداة ضغط على الاتحاد الأوروبي وكذا تقاعس ترامب الواضح عن ردع روسيا فتركها تعربد وتسبب قلقاً بالغاً للدول الأوروبية المجاورة كبولندا ودول أوروبا الشرقية كما أن ترامب ربط زيادة الضغط الأمريكي على روسيا بضرورة قيام أوروبا بفرض عقوبات قاسية على الدول الكبرى التي تواصل شراء النفط الروسي مثل الصين والهند. وهذا الشرط وضع أوروبا في «ورطة إستراتيجية معقدة» حيث تضطر للاختيار بين إغضاب واشنطن أو الإضرار بعلاقاتها التجارية مع بكين ونيودلهي. والواقع يؤكد أن روسيا تستغل الخلافات السياسية داخل أوروبا لدعم الأحزاب اليمينية المتطرفة أو الشعبوية التي تتشكك في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. كما تستخدم موسكو وسائل إعلامها مثل قناتي «روسيا اليوم» و»سبوتنيك» لتقديم وجهات نظرها حول الأحداث العالمية وتشكيل الرأي العام الأوروبي بما يخدم مصالحها. كما تعتمد على المبادرات الثقافية والتعليمية لتعزيز جاذبيتها. وفي الوقت الذي تتعرض فيه دول مثل بولندا وأستونيا ودول البلطيق لتوغلات عسكرية روسية جوية مما يثير قلقها ويدفعها لتعزيز دفاعاتها نجد أن الدبلوماسية الروسية تسعى في الوقت ذاته لإقناع هذه الدول أو غيرها بوجود فرصة للتعاون. هذا التناقض يُظهر أن روسيا لا تعتمد على أسلوب واحد في سياستها الخارجية بل تستخدم أسلوب العصا والجزرة. ولجوء السعودية للتحالف العسكرى مع باكستان وهو في الباطن تحالف مع الصين يمكن تكرار نفس الخطوة في بعض الدول الاوروبية بتعزيز علاقاتها مع القوى الإقليمية التي لديها علاقات قوية مع روسيا وإبرام اتفاقيات أمنية أو دفاعية مستقلة عن الناتو مما قد يُضعف التماسك الأوروبي ويفتح الباب أمام نفوذ روسي أكبر بل ويمهد لتفكك الناتو ايضا. النفور الشعبي العميق من «العباءة الأمريكية»: مواطنى بعض الدول الأوروبية هالهم ما رأوه من ممارسات إسرائيلية على أهل غزة بانحياز ومساندة كاملة من ترامب ومشاهد كان يتناولها الإعلام بصفة دائمة تقشعر لها الأبدان فانطلقت المظاهرات الحاشدة ضد ما يحدث في غزة من تجويع وتشريد وقتل وماولات للتهجير القسرى تحت سمع وبصر ترامب وهو ما أدى لاعتراف هذه الدول الأوروبية بفلسطين والشعور بأن ترامب غير عابئ بمعاناة المدنيين في غزة ولد نفورًا شعبيًا عميقًا من «العباءة الأمريكية»، هذا النفور يجد صدى أكبر في الدول الأوروبية التي كانت في الماضي جزءًا من المعسكر الاشتراكي حيث لا تزال لديها ذكريات عن صراعات القوى الكبرى، وقد تكون أكثر استعدادًا للتحرر من أي هيمنة أحادية القطب، ويمكن لها أن تعود بصورة مباشرة أو غير مباشرة للتحالف مرة أخرى مع روسيا وتكوين محور جديد.
فبينما تستغل روسيا دبلوماسيًا حالة القلق الأوروبي وصعود اليمين المتطرف أتت القضية الفلسطينية لتوفر الأساس الأخلاقي والشعبي للانفصال عن واشنطن. وبالتالي لم يعد التحالف مع روسيا مجرد خيار إستراتيجي لضمان الأمن بل أصبح خيارًا مدعومًا شعبيًا مما يفتح الباب أمام تكوين محور جديد.ويزيد من احتمالية تفكك الاتحاد الأوروبي مما يحقق هدف واشنطن غير المعلن في إضعاف كتلة منافسة.
3 - زلزال بروكسل والدب الروسى: يسرعان بالخطى نحو تفكك الاتحاد الأوروبي
لم يعد تصاعد اليمين المتطرف بدول الاتحاد الأوروبي ولا فوضى ترامب والذى يرى في الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو خصوماً لا حلفاء هما فقط من سيتسببان للاتحاد الأوروبي بمشكلات وجودية فعلى ما يبدو أن الانتحار السياسي الذي يمارسه تكنوقراط بروكسل عبر قراراتهم المنفصلة عن الواقع قد يكون هو المعول الأسرع في هدم هذا الكيان من الداخل. فما رأيناه في شوارع بروكسل وباريس ليس مجرد احتجاجات عابرة بل هو «زلزال اجتماعي» يضرب أركان الاتحاد الأوروبي. فمتخذو القرار التكنوقراط في الاتحاد الأوروبي أخطأوا بالفعل في توقيت الإعلان عن اتفاقية ميركوسور فمحاولة تمرير اتفاقية «ميركوسور» في هذا التوقيت (ديسمبر 2025) هي سقطة سياسية كبرى. لماذا الآن؟ فبينما يصارع المزارع الأوروبي ارتفاع تكاليف الطاقة والضرائب البيئية القاسية وتخفيضات ضخمة (حوالي 90 مليار يورو) في ميزانية «السياسة الزراعية المشتركة» تأتي بروكسل لتقدم له «منافسة غير عادلة» مع منتجات أمريكا الجنوبية الرخيصة. والنتيجة: هى ما رأيناه في بروكسل يوم (18 ديسمبر) لم يعد الأمر مجرد احتجاج بل تحول إلى تمرد ريفي شامل. وبالتوازي شهدت بلجيكا أيضاً إضراباً عاماً احتجاجاً على إجراءات تقشفية في ميزانية 2026 تشمل قطاعات التعليم والصحة.
فرنسا أيضاً تعيش حالة من «الغليان المستمر» طوال عام 2025 وتجددت بقوة هذا الشهر: فحركة «لنغلق كل شيء» هذه الحركة التي بدأت في سبتمبر الماضي عادت لتشتعل من جديد. المحتجون يرفضون ميزانية التقشف التي تناقشها الجمعية الوطنية والتي تتضمن تخفيضات مؤلمة في الخدمات العامة. كما كان المزارعون الفرنسيون هم المحرك الأساسي للاحتجاجات ضد اتفاقية «ميركوسور» وقد قاموا بقطع الطرق الرئيسية المؤدية لباريس مما خلق حالة من الفوضى اللوجستية. المشهد لا يقتصر على فرنسا وبلجيكا فقط فالمزارعون في دول إيطاليا وألمانيا وإسبانيا انضموا أيضاً وبشكل فعلي للتحركات وهناك دعوات لإضرابات كبرى في البرتغال أيضاً. والقاسم المشترك أن كل هذه الدول تعاني من «كماشة» مزدوجة ضغوط مالية داخلية (تقشف) وضغوط خارجية (منافسة عالمية غير عادلة). هذا الوضع الخطير أدى لتأجيل الاتفاقية في اللحظات الأخيرة تحت ضغط فرنسا وإيطاليا وهو اعتراف بالهزيمة وتأكيد على أن صانع القرار قد أصبح معزولاً عن نبض الشارع. وأصبح الاتحاد الأوروبي يواجه الآن معضلة فالتراجع عن اتفاقياته الدولية (ميركوسور) سيغضب شركاءه العالميين ويصب في صالح الصين.
هذه المظاهرات أدت الى الزيادة من الفجوة بين «النخبة في بروكسل» وبين «المواطن العادي» في الأرياف والمدن، كما كانت الوقود المثالي لليمين المتطرف الذي يطالب بالخروج من الاتحاد الأوروبي وتفكيكه وأصبحنا الآن أمام «شتاء ساخن» جداً في أوروبا. فالاتحاد الأوروبي لم يعد يواجه مخاطر اقتصادية فقط بل يواجه أزمة هوية و»ثورة شعبية» ضد السياسات المركزية.
الأمر لم يتوقف عند هذا فقط بل لقد أخطأوا أيضاً عند إعلانهم التوقف عن استيراد الغاز الروسي بحلول عام 2027 وأن لم يظهر تأثيرات هذا الخطأ الإستراتيجى الكبير حتى الآن فلم يتحرك الدب الروسي بعد. والمشكلة أن الاتحاد الأوروبي أعلن عن «القطيعة» قبل أن يؤمن البديل المستدام والرخيص. كما أن الإعلان المبكر عن توقفهم عن استيراد الغاز الروسي قد منح الكرملين جدولاً زمنياً دقيقاً للتحرك. فبوتين أصبح يدرك أن كل شتاء يمر قبل عام 2027 هو فرصة ضغط لن تتكرر. لذا فإن التلويح بقطع الإمدادات الآن (في شتاء 2025-2026) يهدف إلى كسر الإرادة السياسية الأوروبية قبل أن تكتمل البنية التحتية البديلة (محطات الغاز المسال والربط البيني). ووضعا في الاعتبار: أن البديل الأمريكي والقطري أغلى بكثير من الغاز الروسي الذي كان يصل عبر الأنابيب وهذا الفارق في السعر هو السم الذي يسري الآن في عروق الصناعة الألمانية والفرنسية.
سيناريو «الشتاء الأسود»: إذا نفذ بوتين تهديده وقطع الغاز كلياً هذا الشتاء، فسنكون أمام مشهد «صادم» فعلاً ستتوقف المصانع: انهيار قطاع الكيماويات والصلب في ألمانيا، مما يعني تسريح مئات الآلاف من العمال. الانفجار اجتماعي: الغضب الذي نراه الآن من المزارعين سيمتد ليشمل الطبقة الوسطى والعمالية، مما قد يؤدي إلى سقوط حكومات (مثل حكومة شولتس الضعيفة أصلاً في ألمانيا).
تفكك الاتحاد: الدول الأوروبية قد تبدأ في «الأنانية الطاقية» حيث ترفض كل دولة مشاركة مخزونها من الغاز مع جيرانها وهو ما يعني نهاية فكرة التضامن الأوروبي.
وقد يدفع ببعض الدول (مثل المجر أو إيطاليا) للتمرد علناً على قرارات بروكسل والبدء في مفاوضات منفردة مع موسكو لتأمين شتائها وهو ما سيجعل من المستحيل على هذه الحكومات زيادة الإنفاق العسكري لتلبية مطالب الناتو (التي يصر عليها ترامب). هذا سيخلق فجوة أمنية تدفع أوروبا نحو «انقسام داخلي» بين دول تريد التصعيد مع روسيا ودول تريد التهدئة لتوفير الأموال والدفء لمواطنيها.
4 - بدء ترامب تنظيف فنائه الخلفي والحاجة لاتفاق سياسي مع الصين وروسيا
رغبة أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي حيث بات الهدف المعلن لترامب أن الأولوية القصوى هي تأمين الحدود» والهيمنة على الأمريكتين (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية) كمنطقة اقتصادية وأمنية حصرية بعيداً عن نفوذ المحور (الصيني-الروسي). أدت بترامب ألا ينتظر طويلاً كعادته فقد صحونا صباح السبت الموافق 3 من يناير الجاري على قيام قوات خاصة أمريكية بعملية خاطفة أدت لـ اعتقال نيكولاس مادورو الرئيس الفنزويلي من مكان إقامته السري بكراكاس ونقله إلى نيويورك لمواجهة تهم «الإرهاب المرتبط بالمخدرات»، انتقل ترامب فعلياً وبشكل سريع من «الوعيد» إلى «التنفيذ»، وهو ما جعل نبرته تجاه دول الجوار تتصاعد بشكل غير مسبوق. فترامب وجه هجوماً شخصياً وعنيفاً للرئيس الكولومبي غوستافو بترو واصفاً إياه بـ «الرجل المريض» واتهمه صراحة بالإشراف على إنتاج الكوكايين وتصديره للولايات المتحدة. الأخطر من ذلك هو قوله عملية كولومبيا تبدو فكرة جيدة بالنسبة لي وهذا التلميح بشن عملية عسكرية مماثلة لما حدث في فنزويلا وضع الحكومة الكولومبية في حالة استنفار قصوى خاصة وأن بترو كان من أوائل المنددين باعتقال مادورو واصفاً إياه بـ «إرهاب دولة». بالنسبة للمكسيك يتبنى ترامب سردية أن «الكارتيلات هي من تحكم فعلياً». وقد صرح علانية بأنه طلب من الرئيسة شينباوم السماح للقوات الأمريكية بالتدخل لتصفية الكارتيلات، وعندما رفضت، قال جملته الشهيرة: «يجب فعل شيء ما حيال المكسيك عليها ترتيب أمورها». هذا يضع السيادة المكسيكية أمام اختبار صعب مع احتمالية فرض حصار أو عمليات نوعية عابرة للحدود، أما كوبا فتبدو في استراتيجية ترامب وكأنها «الثمرة التي ستسقط وحدها». وصفها بأنها «أمة فاشلة» وعلى وشك الانهيار الاقتصادي التام. ماركو روبيو (وزير الخارجية) يعزز هذا التوجه بالقول إن على كوبا أن تدرك أن حليفها الأكبر (مادورو) قد انتهى مما يعني تشديد الخناق عليها حتى تسقط من الداخل دون الحاجة لتدخل عسكري مباشر حالياً. ما يفعله ترامب الآن هو تفعيل كامل لـ «مبدأ مونرو» وكأنه يقول لروسيا والصين إن أي موطئ قدم لهما في «الحديقة الخلفية» لواشنطن قد انتهى للأبد. بصفة عامة اعتقال مادورو كان الرسالة الأعنف وما يحدث مع المكسيك وكولومبيا هو «تنظيف» للمنطقة من أي أنظمة أو كارتلات قد تستخدمها القوى المعادية (روسيا والصين) كأوراق ضغط. ومبدأمونرو ووضع ترامب الحرف الأول من اسمه ليكون (دونرو) يثبت أن الرجل نرجسيته العالية جداً هى التي تجعل من اسمه علامة تجارية حتى في السيادة الدولية المهم إنني أرى أن ترامب سينظف المنطقة الغربية والتي أكد في وثيقة الأمن القومي له بأنها صارت الأهم ويبدو أن الصين ستصمت في مقابل أن تخضع لها تايوان وروسيا ستصمت في مقابل أبعاد زيلينسكى عن حلف الناتو، ويبدو أن هناك صفقة كبرى تُطبخ على نار هادئة لإعادة ترسيم حدود النفوذ العالمي، فترامب رجل صفقات وقد يرى أن الهيمنة المطلقة على الموارد في الأمريكتين (بما في ذلك نفط فنزويلا ومعادن المنطقة) أهم استراتيجياً من الدخول في حرب استنزاف في بحر الصين الجنوبي. كما أن تجميد طموحات زيلينسكي في الناتو هو الثمن الذي قد يقبله بوتين للصمت عن «تفكيك» حلفائه في الكاريبي وأمريكا الجنوبية. إنها عملية «تراجع تكتيكي» لكل طرف نحو منطقته الحيوية. أما عن عودة الحديث عن جرينلاند ورغبة ترامب في أن تتنازل عنها الدنمارك لأمريكا فتؤكد أن ترامب لا يفكر فقط في الأمن بل في «الجغرافيا الاقتصادية» للمستقبل حيث الممرات الملاحية الجديدة في القطب الشمالي والثروات المعدنية الهائلة مما يجعل القارة الأمريكية الشمالية «قلعة حصينة» ومكتفية ذاتياً.
وأرى أن عودة ترامب للمطالبة بجرينلاند هي المسمار الأخير في نعش السيادة الأوروبية وهي رسالة بأن أمريكا لم تعد تعترف بحدود الحلفاء إذا تعارضت مع مصالحها.هذا التقسيم الجديد للعالم ينهي حقبة «العولمة» ليدخلنا في حقبة «الأقطاب المعزولة»، حيث يسود كل قطب في منطقته الجغرافية دون تدخل من الآخرين. صمت الصين وروسيا يؤكد على صفقة مقايضة: رغم أن الصين وصفت التحرك الأمريكي في فنزويلا بأنه «عمل عدواني» و»قرصنة دولية»، إلا أن رد فعلها الفعلي حتى الآن اقتصر على المطالبة بجلسة طارئة في مجلس الأمن. المثير للدهشة أنه رغم الاستثمارات الصينية الضخمة بكولومبيا واتفاقيات «الحزام والطريق» التي وقعتها بكين مع «بترو» مؤخراً إلا أن الصين لم تتخذ أي إجراءات اقتصادية أو عسكرية مضادة لتهديدات ترامب المباشرة لكولومبيا. هذا «الانضباط» الصيني قد يكون بالفعل هو الثمن المدفوع لغض الطرف الأمريكي عما قد يحدث قريباً في تايوان. روسيا أيضاً: اكتفت ببيانات «القلق البالغ» والتحذير من «توابع غير مسبوقة»، لكن المحللين في موسكو بدأوا يتحدثون ببراغماتية إذا كانت أمريكا تعتبر فنزويلا وكولومبيا «حديقتها الخلفية» وتفعل فيها ما تشاء، فإن لروسيا الحق الكامل في فعل الشيء نفسه في أوكرانيا. هذا التناغم الصامت يوحي بأن «النسر» و»الدب» قد اتفقا على تقسيم الفرائس. وأرى أن كوبا والمكسيك سيزعنان بدون مقاومة لرغبات ترامب، أما كولومبيا فمن الممكن أن نرى تحركات عسكرية أمريكية تجاهها ورد فعل الصين سيكون عامل حسم في تسليمها بالأمر الواقع أو المقاومة.
ولكن على ترامب ان يضع جذرة بجانب العصا تتمثل في إنتاج الغاز على الأقل من الفحم ومشاركة هذه الدول في هذا المشروع مع وجود وعود براقة منه لأهلها برخاء اقتصادى قريب لكي لا تتحول الأمور الى مظاهرات حاشدة وتحركات شعبية ضد أمريكا تحرج ترامب كثيراً. فإستراتيجية «العصا والجزرة» هي المخرج الوحيد لترامب إذا أراد تثبيت نفوذ «مبدأ دونرو» دون الغرق في مستنقع الثورات الشعبية أو الاستنزاف العسكري طويل الأمد. وإذا نجح في تطويع المكسيك وكوبا وكولومبيا عبر مزيج من التهديد العسكري والمغريات الاقتصادية، فإنه سيؤكد بأننا أمام عالم «أحادية القطب القسرية» في نصف الكرة الغربي بينما يترك القارة العجوز (أوروبا) تواجه مصير التفكك.