د. محمد بن عبدالله آل عمرو
لم يعد الحديث عن تطوير التعليم ممكنًا دون الوقوف مطولًا عند المعلم؛ بوصفه العنصر الأهم في أي إصلاح تعليمي حقيقي. فالمناهج المتطورة، والتقنيات الحديثة، والبنى المدرسية المتقدمة، كلها تفقد أثرها إذا لم يقف خلفها معلمٌ مختار بعناية، ومُعد إعدادًا مهنيًا متينًا، ومدعومًا بسياسة واضحة ترافقه منذ دخوله المهنة وحتى نهاية خدمته، ولهذا ظل المعلم، في مختلف التجارب الدولية، محور الاهتمام الأول في أي مشروع وطني للتعليم.
وعند تأمل واقع اختيار وإعداد المعلم السعودي خلال السنوات الأخيرة، تبرز تحولات واضحة تستحق قراءة هادئة ومتأنية، لا من باب النقد أو التقليل من الجهود المبذولة، بل من باب الفهم والتقويم واستشراف فرص التحسين. فالمنظومة التعليمية في المملكة تشهد حراكًا واسعًا ومتسارعًا، غير أن بعض جوانب إعداد المعلم ما زالت بحاجة إلى مزيد من التركيز والوضوح.
تتم عملية القبول في برامج إعداد المعلمين اليوم في الغالب عبر بوابات القبول الموحد، وبالاعتماد على معدل الثانوية العامة ونتائج اختبارات القدرات والتحصيلي، وهي أدوات قياس مهمة ولا غنى عنها في المفاضلة الأكاديمية، لكنها بطبيعتها معايير عامة لا تميز بشكل كافٍ بين من يمتلك الاستعداد الحقيقي لمهنة التعليم ومن قد ينجح في مجالات أخرى لا تتطلب ذات الخصائص المهنية، فالتدريس ليس مجرد تحصيل علمي، بل مهنة إنسانية مركبة تتطلب مهارات تواصل عالية، وقدرة على إدارة الصف، وصبرًا، واتزانًا نفسيًا، وشغفًا بالعمل مع المتعلمين، وهي سمات يصعب رصدها من خلال الاختبارات المعيارية وحدها.
وفي موازاة ذلك، شهدت كليات التربية في الجامعات السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا في بنيتها وبرامجها، حيث تقلص حضور برامج البكالوريوس التربوي التي كانت تمثل المدخل الرئيس لإعداد المعلم، واقتصر وجودها في كثير من الجامعات على تخصصات محدودة، بينما انتقل العبء الأكبر إلى برامج الدبلوم التربوي أو الدراسات العليا بعد التخرج، وهذا التحول، في ذاته، ليس إشكالًا، بل هو خيار معمول به في عدد من الأنظمة التعليمية المتقدمة، غير أن الإشكال يكمن في أن هذا التحول لم يكن ضمن إطار وطني جامع يوضح فلسفته وأهدافه ويضمن اتساق مخرجاته.
وقد أدى هذا الواقع إلى تباين ملحوظ في طبيعة برامج الإعداد التربوي، من حيث المدة، والمحتوى، وعمق التدريب العملي، ومستوى التكامل بين الجانب النظري والتطبيقي، وأصبح الطالب يتنقل بين مسارات متعددة دون وضوح كافٍ لمساره المهني المستقبلي، الأمر الذي ينعكس لاحقًا على جاهزيته في سنواته الأولى داخل الفصل الدراسي.
وعند جمع مشهد الاختيار مع مشهد الإعداد، تتضح فجوة واضحة بين المرحلتين؛ إذ يُقبل الطالب في تخصص أكاديمي دون أن يُنظر منذ البداية إلى مهنة التعليم بوصفها مسارًا مهنيًا متكاملًا، ثم يُطلب منه لاحقًا، وفي فترة زمنية قصيرة، اكتساب مهارات التدريس وأخلاقيات المهنة ومتطلبات العمل المدرسي، وبهذا يصبح الإعداد التربوي في كثير من الأحيان ذا طابع تعويضي، بدل أن يكون مسارًا متدرجًا ينمو مع الطالب منذ دخوله الجامعة.
وتتجلى خلف هذه الملاحظات إشكالية أعمق، تتمثل في غياب سياسة وطنية متكاملة تنظر إلى إعداد المعلم بوصفه رحلة مهنية طويلة المدى، تبدأ بالاختيار الواعي، وتمر بمرحلة الإعداد الأكاديمي والتربوي، ولا تنتهي عند التعيين، بل تستمر بالتطوير المهني المستمر، فرغم الجهود التي تبذلها وزارة التعليم، والجامعات، والمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، إلا أن هذه الجهود تبدو في كثير من الأحيان متوازية أكثر من كونها مندمجة في إطار واحد واضح.
إن الحاجة اليوم ليست إلى إضافة برامج جديدة بقدر ما هي إلى بناء رؤية وطنية متماسكة تنسق بين مؤسسات الإعداد، وتحدد بوضوح منطلقات اختيار المعلم، وفلسفة إعداده، ومعايير دعمه وتطويره المهني. فالمعلم لا يُصنع في مرحلة واحدة، ولا بقرار منفرد، بل عبر مسار متكامل تتراكم فيه الخبرات، وتُبنى فيه الكفايات على مهل وثبات.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن تطوير التعليم حديثًا عن الإنسان أولًا، وعن المعلم تحديدًا، بوصفه حجر الأساس في أي تحول تعليمي مستدام. ومن هنا، فإن الانتقال من تشخيص هذا الواقع إلى مناقشة النماذج والحلول الممكنة يبدو خطوة منطقية لازمة، وهو ما سيتناوله المقال التالي.