د. أنس عضيبات
لقد تغيّرت طبيعة التربية مع تحوّل العالم إلى فضاء رقمي واسع، ولم يعد دور الأهل مقتصرًا على التوجيه التقليدي، بل أصبح يشمل مواكبة عالم افتراضي شديد السرعة والتأثير، فالأطفال اليوم يتعاملون مع الأجهزة الذكية قبل تعلّم القراءة أحيانًا، ما يفرض على الأسرة دورًا مضاعفًا في فهم هذا العالم والتحكّم بمدى انكشاف الأبناء عليه، وفي ظل وفرة المحتوى وتنوّع مصادره، تبرز الحاجة إلى وعي عالٍ لدى الوالدين حول مخاطر الإنترنت وفرصه معًا، حيث إن الأبوة الرقمية أصبحت جزءًا جوهريًا من التربية الحديثة لا يمكن تجاهله. وهي مسؤولية تتطلّب معرفة، ووقتًا، وتخطيطًا واعيًا.
يمثّل تعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال الركيزة الأولى لبناء سلوك آمن ومسؤول، فالطفل يحتاج إلى فهم قواعد الاستخدام قبل منعه أو توجيهه، كالتعرّف إلى الخصوصية، وعدم مشاركة البيانات الشخصية، والتمييز بين المصادر الموثوقة والمحتوى المضلّل، ويمكن للحديث المفتوح بين الأهل والأبناء أن يخلق بيئة مرنة تساعد الطفل على طرح أسئلته دون خوف.
كما أن منح الطفل دورًا في فهم التكنولوجيا يصنع منه مستخدمًا واعيًا لا متلقيًا سلبيًا، وحين يكتسب الأبناء هذه المهارات، يصبح ضبط سلوكهم أسهل وأكثر استدامة.
ولا يقل دور الأسرة في وضع القواعد الرقمية وضبط الوقت أهمية عن تعزيز الوعي، فتنظيم ساعات الاستخدام، وتحديد أماكن استعمال الأجهزة داخل المنزل، واختيار التطبيقات المناسبة للعمر، جميعها خطوات تحدّ من تعرض الأطفال لمحتوى ضار أو مقلق، كما أن القدوة العملية التي يقدمها الوالدان، من خلال توازنهم في استخدام الأجهزة، تشكّل رسالة قوية للطفل حول الاستخدام الصحي للتكنولوجيا، وتحقق هذه القواعد فاعليتها عندما تكون واضحة، متفقًا عليها، وقابلة للتطبيق دون صدام أو مبالغة، فالهدف هو ضبط الاستعمال لا حرمان الطفل من أدوات التعلم والترفيه.
وتبرز أيضًا أهمية بناء علاقة تواصل إيجابية بين الطفل ووالديه تساعده على اللجوء إليهما عند مواجهة أي تجربة رقمية مربكة، فالخوف من العقاب قد يدفع الأطفال إلى إخفاء مشكلاتهم الإلكترونية، ما يزيد من خطر تعرضهم للتنمر أو الابتزاز أو الاستغلال. بينما يوفّر الاحتواء النفسي مساحة آمنة للبوح، ويمنح الأهل فرصة للتدخل المبكر وحل المشكلات قبل تفاقمها، كما أن الانخراط المشترك في الأنشطة الرقمية-مثل مشاهدة محتوى هادف أو تجربة تطبيقات تعليمية-يعزّز الثقة ويقوّي الروابط الأسرية. هكذا يصبح العالم الرقمي مساحة للتقارب لا للانعزال.
وأخيرًا، تتطلب الأبوة الرقمية مواكبة مستمرة للتغيرات التقنية المتسارعة، فالمواقع والتطبيقات والاتجاهات تتبدّل باستمرار، وكذلك أساليب المخاطر الإلكترونية، ومن هنا تبرز أهمية تثقيف الأهل لأنفسهم، سواء عبر الدورات أو المصادر التربوية أو المبادرات الوطنية للأمان الرقمي، فالتربية في العصر الرقمي ليست مهمة جامدة، بل عملية ديناميكية تتطور مع تطور الأدوات، وعندما يمتلك الوالدان المعرفة والمرونة، يصبح بإمكانهما مرافقة أطفالهما نحو عالم رقمي آمن، واعٍ، ومنتج، يعزز شخصياتهم ويهيئهم لمستقبل أكثر وعيًا ومسؤولية.
** **
* خبير المناهج وأساليب التدريس - الأردن