د. الجوهرة بنت فهد الزامل
مع بدايات الأعوام الجديدة، يعود سؤال المستقبل إلى الواجهة بقوة. يزداد الحديث عن «ما سيحدث»، وتنتشر التوقعات، ويجد خطاب التنجيم والرؤى العامة مساحة أوسع في الإعلام ومنصات التواصل.
هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في السذاجة أو الترف، بل تستحق قراءة أعمق، لأنها تعبّر عن علاقة المجتمع مع القلق، والغموض، ومع قدرته – أو عجزه – عن التخطيط.
فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا نقرأ الغد؟
بل: كيف نقرأه؟ ومن يملك حق قراءته؟
في المجتمعات التي تمتلك حدًّا أدنى من الاستقرار المؤسسي، تُقرأ ملامح الغد عبر أدوات واضحة: تحليل البيانات، دراسة الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية، فهم التحولات الديموغرافية، وبناء سيناريوهات متعددة تساعد على الاستعداد لا على التنبؤ.
هذه القراءة لا تدّعي اليقين، ولا تزعم معرفة ما سيحدث، لكنها تقوم على مبدأ أساسي: أن المستقبل ليس حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار.
في المقابل، تظهر قراءات أخرى للغد، تعتمد على التنجيم، أو التوقعات العامة، أو الخطاب الذي يَعِد دون أدوات، ويُطمئن دون خطط. وهنا لا يصبح التنجيم مجرد ممارسة فردية، بل مؤشر اجتماعي على شيوع القلق، وضعف الثقة بالتخطيط، وتراجع الإحساس بالقدرة على التأثير.
في عصر التحولات السريعة، يصبح انتشار التنجيم بين الشباب مؤشرًا مقلقًا على تأجيل القرارات الحياتية. كثيرون ينتظرون «عامًا أفضل» للدراسة أو العمل أو الاستثمار، مما يُضعف القدرة على اغتنام الفرص الحالية ويُعزز ثقافة الاتكال بدلاً من المبادرة. وهذا يظهر أن الانتظار قد يعطل المبادرة، ويحوّل المستقبل من مشروع يُبنى إلى قدر يُنتظر.
في أوقات التقلبات الاقتصادية العالمية، يزداد القلق الجماعي، فيصبح التنجيم ملاذًا نفسيًا رخيصًا. لكنه يُلهي عن الاستعداد الحقيقي: تنويع المهارات، بناء الاحتياطيات، وفهم الاتجاهات الاقتصادية، وهي أدوات تخطيطية تحول القلق إلى قوة دافعة.
بهذا تتحول الرؤية من التوقع العاطفي إلى التخطيط الاستراتيجي، الذي يجعل الفرد والمجتمع أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات.
في التخطيط الاجتماعي، لا تكفي الرؤى العامة؛ نحتاج إلى بيانات دقيقة عن الاتجاهات الديموغرافية، معدلات البطالة بين الشباب، وأنماط الاستهلاك.
هذه البيانات تمكّن من بناء سيناريوهات واقعية، تساعد المجتمع على الاستباق لا الرد المتأخر، وتحول «الغد المجهول» إلى «غد مُخطط». وهكذا، يصبح التخطيط الاجتماعي أداة لتحويل المعلومات إلى قرارات مؤثرة، بدل أن تظل الرؤى مجرد شعارات أو توقعات.
الفرق بين من يقرأ الغد ومن يصنعه، هو الفرق بين التوقع والمسؤولية.
الإيمان بالغيب من الثوابت الدينية المقررة، وهو جزء من العقيدة التي لا يختلف فيها العاقل الصالح، ويمنح الإنسان الطمأنينة والمعنى. وفي الوقت نفسه، يحث على بذل السبب والعمل والسعي وتحمل المسؤولية في الحاضر.
التخطيط لا يناقض الإيمان، بل ينسجم معه، حين يتحول اليقين إلى عمل، والثقة إلى استعداد، والتوكل إلى ممارسة واعية لا انتظار سلبي.
وتحصين الأجيال من الانجراف نحو التفكير الاتكالي لا يتحقق بالسخرية من التنجيم، ولا بمنعه، بل ببناء بديل أقوى وأكثر إقناعًا. وأن تبدأ ثقافة التخطيط من المدرسة. عندما نُدرّس الأطفال كيفية تحليل المشكلات، ووضع أهداف قصيرة وطويلة الأمد، وربط الجهد بالنتيجة، نُحصّنهم من جاذبية التوقعات الجاهزة، ونُعد جيلًا يرى المستقبل مشروعًا شخصيًا وجماعيًا. ولذلك، تصبح المؤسسات التعليمية نقطة الانطلاق الفعلية لبناء مجتمع واعٍ ومسؤول.
اليوم، يملك كل فرد أدوات قراءة الغد: الوصول إلى المعلومات، والقدرة على التعلم المستمر. عندما يشارك المواطن في نقاش السياسات العامة ويطالب بخطط واضحة، يتحول من مستهلك للتوقعات إلى شريك في صناعة المستقبل. وبهذا تتحول المبادرة من اختيار فردي إلى ثقافة جماعية.
والأوطان لا تُدار بالتنجيم، ولا تُبنى بالتوقعات. هي تُدار بالرؤية، وتُبنى بالسياسات العامة، وبالقدرة على التقييم والمراجعة المستمرة. والدولة الواثقة لا تسأل: ماذا سيحدث؟ بل تسأل: كيف نستعد؟ والمجتمع الواعي لا يستهلك الخطاب المريح، بل يطالب بخطط، ويشارك في التنفيذ، ويتحمّل مسؤوليته.
تجارب دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية تُثبت أن الأمم التي استثمرت في التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد تجاوزت أزماتها بسرعة. لم تنتظر «حظًا»، بل بنت رؤى واضحة قائمة على العلم والتقييم المستمر، فتحولت من دول نامية إلى نماذج عالمية في التنمية البشرية. وعلى المستوى الوطني، يمكن استخلاص الدروس لتعزيز الاستعداد الاستراتيجي وربط السياسات بالممارسات الفعلية.
في النهاية، لسنا مضطرين لاختيار بين الإيمان والتخطيط، بل يمكننا دمجهما: إيمان يدفعنا للعمل، وتخطيط يُرشد خطواتنا. هكذا نصنع غدًا يليق بطموحاتنا، لا ننتظره.
وفي التجارب الوطنية المعاصرة، تبرز رؤية المملكة العربية السعودية كنموذج عملي على الفرق بين انتظار الغد وصناعته. فالرؤية لم تُبنَ على التوقع، ولا على قراءة غامضة للمستقبل، بل على تشخيص واقعي للتحديات، وتحديد واضح للأولويات، وخطوات استباقية أعادت تعريف العلاقة بين الحاضر والغد.
ما يميّز هذا المسار ليس ادعاء اليقين، بل الاعتراف بالتغيّر، والاستعداد له عبر تنويع الاقتصاد، وتمكين الإنسان، وإعادة بناء القطاعات التعليمية والاجتماعية، وتوسيع دائرة المشاركة والمسؤولية.
بهذا المعنى، تتحول قراءة الغد من سؤالٍ عن «ماذا سيحدث؟» إلى قرارٍ بشأن «كيف نستعد؟»، ومن انتظارٍ سلبي إلى فعلٍ مؤسسي واعٍ.
وفي سياق كهذا، يصبح الحديث عن التنجيم والتوقعات خارج معادلة البناء، لأن الدولة والمجتمع يكونان منشغلين بالفعل، لا بالانتظار، وبالتخطيط، لا بالتنبؤ. وهكذا، لا يُقرأ الغد ليُستهلك، بل ليُصنع.
** **
- متخصصة في السياسات والتخطيط الاجتماعي