د. تنيضب الفايدي
لقد ساهم القرآن الكريم في تعزيز اللغة العربية والمحافظة عليها سليمة نقية مستمرة مع الزمن، حافظ على كلماتها وتعابيرها، ومعانيها وتراكيبها ومفاهيمها، كما حافظ على لهجاتها وبلاغتها وعاطفتها وتأثيرها وسموها واستمرارها.
كما أن لغة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانت اللغة العربية فسجّل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة باللغة العربية، وكتب الفقه وعلومه بهذه اللغة العربية، وبالتالي فإن فهم الدين من مصادره الأصلية يعتمد على فهم اللغة العربية، ومعرفة معانيها ودلالاتها، وإذا أخفق المرء في فهمها عجز عن فهم معانيها ودلالاتها، وربما رفع المنصوب ونصب المرفوع.
لقد فرض الإسلام على المسلم أن يقرأ القرآن في الصلوات، كما حثّ على حفظه وقراءته وترتيله، قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} سورة المزمل الآية (4)، وقال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} سورة طه الآية (124-126). ومن غير شك أن هذا الشيء له دورٌ كبيرٌ في حفظ اللغة العربية من الضياع، كما ساعد في نشرها في أقطار الأرض وجعلها لغة حية خالدة.
كما أن القرآن حوّل اللغة العربية لغة دينية لابدّ معرفتها لفهم الدين الإسلامي، فأصبحت اللغة العربية تنتشر بين أفراد المسلمين حتى من العجم، فارتباط اللغة العربية بالقرآن أدى لانتشار اللغة بانتشار الإسلام، فقد كان الإسلام عاملاً لنقل اللغة العربية تلك النقلة الواسعة من لغة إلى لغة أقوام، ومن لغة محدودة بحدود أصحابها إلى لغة دعوة جاءت إلى البشر كافة، فكانت العربية بذلك لسان تلك الدعوة ولغة تلك الرسالة، ومستودع ما نتج عن تلك الرسالة من فكر وحضارة.
يقول نيودور نولدكه: «لم تصر العربية حقاً لغة عالمية إلا بسبب القرآن والإسلام، إذ تحت قيادة القرشيين فتح البدو، وسكان الواحات نصف العالم لهم وللإيمان، وهكذا صارت العربية لغة مقدسة أيضاً».
بل خرج عددٌ من العلماء منهم (أي: من غير العرب)، درسوا وتعلموا اللغة العربية حتى بروزا في علوم القرآن والحديث والعلوم الأخرى وأصبحت أسماؤهم رموزاً بارِزة في بعض فروع المعرفة، وألفوا كتاباً فيه كالبخاري وابن سينا والخوارزمي وسيبويه والجرجاني والزمخشري وغيرهم كثير، لذلك أصبحت اللغة العربية من اللغات الأساسية العالمية المنتشرة في العالم.
وهكذا اتَّسع مفهوم العربية وثقافتها لكي تتجاوَز الجنس العربي إلى ثقافة الإمبراطورية الإسلامية التي لم تقتَصِر فقط على علوم اللغة والدين وإنما امتدَّتْ من خلال اللغة إلى الثقافة العلميَّة الإنسانية في الطبّ والجراحة، والرياضيات والجبر، والفلك والصيدلة، وظلَّت ترجمات الكتب العربية لأعلام مثل: الزهراوي، وجابر بن حيَّان، وابن الهيثم، وابن النفيس وغيرهم تُشارِك في تمثيل كتب المعرفة العلميَّة في الجامعات الأوروبية حتى القرن الثامن عشر، انطِلاقًا من اتِّساع المفهوم، وثراء المعرفة، وإثراء اللغة العربية، واستخدامها في المجالات الحيَّة للعلوم والحياة.
كما أن القرآن الكريم هذّب اللغة العربية من اللفظ الغريب واستخدم أسلوباً سهلاً تلذ الآذان حين تسمع له، والأفواه حين تنطق به، والقلوب حين تصغي إليه، وتجد الكلام سهلاً واضحة المعاني وأسلوباً مطرداً في جودة الإفهام وروعته مع سهولة اللفظ ومتانته وسلامته من التكلف، وذلك بكثرة ترديد المسلمين لآياته على ألسنتهم في الصلاة والعبادة، وطول درسهم له وتفهمهم إياه واستنباط أحكام دينهم وشريعتهم منه، فنشأ من ذلك أن هجر كثيرٌ من الألفاظ المعيبة، واستبدل بها الألفاظ العذبة السائغة، وعدل عن الأساليب القديمة المعقدة المتداخلة.
ولذا أريد أن أؤكد بأن اللغة العربية ستبقى إن شاء الله إلى يوم القيامة، نظراً لتلازمها بالقرآن الكريم وربطها بالدين الإسلامي، إضافة إلى ذلك تميزها عن اللغات الأخرى بصفات وخصائص لا توجد إلا في اللغة العربية فقط، فمهما حاول الأعداء لطمسها أو تضعيفها، فلن يفلحوا في ذلك أبداً، لأن القرآن الكريم قد تولى زمام حفظه ذاته سبحانه وتعالى بنفسه، وبقاءها بهذه القوة بعد عدة قرون مع ذهاب أكثر اللغات في طي الماضي والنسيان، لهو أكبر دليل على صدق كلامي.
والآن أصبحت اللغة العربية إحدى اللغة العالمية الرسمية نظراً لأنها تتحلى بدرجة من النضج الذي يجب أن تتسم به أي لغة لأداء دورها المنشود في مختلف ميادين الحياة، فهي صالحة أن تكون لغة عالمية، إن اللغة العربية هي اللغة الأم لأكثر من 270 مليون شخص حول العالم حتى الآن، لذلك صنفت في المرتبة السادسة في ترتيب اللغات الأكثر استخداماً، مما يعني أنها لغة حية قادرة على النهوض للأمة العربية متى استشعر أبناؤها قيمة هويتهم العربية واعتزازهم بلغة القرآن الكريم.
** **
المراجع:
أثر القرآن الكريم في اللغة العربية والتحديات المعاصرة تأليف: محمد يوسف الشربجي، اللغة العربية والصحوة العلمية الحديثة تأليف: كارم السيد غنيم، أثر اللغة العربية في الحضارة البشرية للدكتور حجي إبراهيم الزويد، الإعجاز العلمي في القرآن للدكتور السيد الجميلي، العربية لغة العلوم والتقنية تأليف: عبد الصبور شاهين، شواهد من اللغة العربية في ضوء الاهتمام العالمي بها للدكتور تنيضب الفايدي.