محمد سليمان العنقري
قطاع التعدين أصبح جزءاً من الأمن القومي للدول الصناعية والاقتصادات الناشئة بعد ثورة التكنولوجيا بالذكاء الاصطناعي، وكذلك التوسع في الطاقة المتحددة وصناعة الرقائق الالكترونية القلب النابض للصناعات الحديثة إضافة لدخول المعادن في صناعة الروبوتات بشكل واسع ونوعي، وكذلك صناعة الصواريخ من خلال المعادن النادرة بل إنه في ملف الرسوم الجمركية التي فرضتها أميركا على العالم كانت المعادن أهم الأوراق التفاوضية التي أعطت الصين أكبر شريك تجاري لأميركا قوة ساهمت بأن يأخذ مسار مفاوضات الاتفاق المنتظر طريق التهدئة والتوازن النسبي بين الدولتين؛ فأميركا أصبحت توسع علاقاتها وشراكاتها مع من يملك المعادن فحتى استرداد مساعداتها لأوكرانيا ستكون أغلبها بالمعادن النادرة تحديدا واتخذت أوروبا نهجاً مشابهاً لها في توفيرالمعادن اللازمة لاستدامة صناعاتها.
ومن هذا المنطلق المبني على تقدم قطاع التعدين ليكون من بين أكبر القطاعات الاقتصادية عالمياً نمواً في ضخ الاستثمارات فيه بعد أن كان هناك شبه عزوف دولي عنه وهو ما أعطى الميزة للصين لتكون المزود العالمي لحوالي 90 بالمائة من المعادن النادرة لأنها أخذت مسار زيادة الاستثمار بالتعدين لحاجتها الداخلية له كونها أكبر الدول الصناعية حالياً، وقد استشعرت المملكة أهمية قطاع التعدين منذ مايزيد عن عقدين، وأسست شركة معادن لهذا الغرض لكن رؤية 2030 وضعت للقطاع مسارا استثماريا وتوسعيا أكثر نضجاً ليتواكب مع التسارع الكبير لأهمية القطاع عالمياً و بنظرة استراتيجية بدأت بالاستكشافات الواسعة التي بينت أن قيمة الثروة التعدينية حوالي 2،5 تريليون دولار أي مايقارب 9،4 تريليون ريال وهو رقم ضخم جداً ومازالت هناك المزيد من الاستكشافات تتم حالياً إضافة إلى النظرة الأخرى نحو إيجاد قيمة مضافة ليس فقط بالتعدين للمواد الأولية أو الوسيطة، بل الاتجاه مستقبلا للتوسع بالصناعات النهائية إضافة الى البدء بخطة بعيدة المدى لتكون السعودية مركزا اقليميا وعالميا للتعدين وسلاسل الإمداد للقطاع نظراً لتوفر الإمكانيات لديها من موقع جغرافي بجانب آسيا وأوروبا وإفريقيا الغنية بالمعادن وتوفر الطاقة والبنبة التحتية من موانئ ومدن صناعية وقوة مالية وتخطيط بعيد المدى، وغير ذلك من الممكنات التي ترجح نجاح استراتيجية التعدين في المملكة.
وقد أخذت السعودية خطوة مميزة بإقامة مؤتمر دولي للتعدين يعقد سنوياً ببداية العام الميلادي في العاصمة الرياض وستكون نسخته الحالية هي الخامسة فقد لعب هذا المؤتمر دوراً مهماً في وضع استراتيجية التعدين بالمملكة على مسار مهم جداً لتكون رائدة في خارطة المؤثرين الكبار على قطاع التعدين بما يخدم الاقتصاد العالمي ويحقق أهداف رؤية 2030 في أن يكون القطاع ركيزة صناعية أساسية بالاقتصاد الوطني فالمؤتمر أصبح ينتظره قادة صناعة التعدين سنوياً لأنه يرسم معالم المستقبل للقطاع من خلال لقاء يجمع كبرى دول العاام في التعدين إضافة للشركات العالمية مع وجود مئات المتحدثين مما يسمح بتقارب الأفكار والرؤى حول القطاع ومعالجة التحديات التي يواجهها والافاق المتوقعة له وابتكار آليات تمويله وتدفق الاستثمار له مع عقد صفقات واتفاقيات على هامش أعماله التي تبدأ هذا الأسبوع من 13 إلى 15 يناير الحالي.
فالمؤتمر في كل عام يضع ركائز عمل تناسب تطورات واحتياجات القطاع وفي هذا العام تم اختيار ركائز تمثل احتياجات المرحلة الحالية تهدف إلى « تحويل التحديات العالمية إلى فرص تنموية إقليمية ودولية من خلال تفعيل الممرات المعدنية العابرة للقارات وإطلاق نماذج تمويل مبتكرة للبنية التحتية تهدف إلى تفعيل سبعة ممرات معدنية رئيسية تربط مناطق الإنتاج في أفريقيا وأمريكا الجنوبية بالأسواق العالمية، مع قابلية للتوسع المستقبلي و بناء القدرات وتوطين المعرفة وتمكين الدول المنتجة للمعادن من خلال إنشاء شبكة عالمية لمراكز التميز (Centers of Excellence)، تركز على تطوير علوم الجيولوجيا و تعزيز الابتكار و ترسيخ الاستدامة، وتحديث السياسات التنظيمية وتعزيز الشفافية الشاملة لسلاسل الإمداد اضافة الى إطلاق نظام تجريبي عالمي لتتبع سلاسل الإمداد، لضمان الموثوقية والأخلاقيات من المنجم إلى المنتج النهائي، تمهيداً لتعميمه كمعيار دولي» فهذه الطروحات التي ستكون محاور رئيسية في جلسات المؤتمر تمثل استشراف مستقبلي مهم للقطاع سيمكن من تقارب وجهات النظر بين مجتمع التعدين العالمي للنهوض بهذا القطاع بما يتناسب مع نمو الطلب على المعادن.
مؤتمر التعدين لنسخة هذا العام سيختلف عن سابقاته لأنه يأتي وسط تحرك دولي غير مسبوق لتوفير المعادن للصناعات الرائدة والحديثة في ظل التوترات الدولية التي خلفتها الأحداث الجيوسياسية والرسوم الجمركية الأمريكية وسيشارك في هذا العام 100 دولة في الاجتماع الوزاري الدولي الذي يجمع وزراء التعدين من مختلف أنحاء العالم اضافة الى 70 منظمة حكومية وغير حكومية تساهم في صياغة مستقبل القطاع وحضور أكثر من 20,000 مشارك من المختصين والخبراء وما يزيد على 100 فعالية مصاحبة ومتنوعة و بمشاركة 400 متحدث عالمي يقدمون رؤى استراتيجية وخبرات نوعية و 100 من كبار التنفيذيين يحضرون لمناقشة مستقبل الاستثمار والصناعة التعدينية و أكثر من 200 راعٍ ومشارك في المعرض الدول وينتظر توقيع ما يزيد على 150 اتفاقية ومذكرة تفاهم لدعم التعاون والشراكات إضافة لأكثر من 5,000 اجتماع عمل لتعزيز التواصل وبناء التحالفات مما يعكس ضخامة العمل الذي نفذ لاقامة المؤتمر بما يليق بالمكانة التي تستهدفها المملكة في صناعة التعدين عالمياً.