كلما جلسنا - أولاده وأحفاده- مع أبي يلتفت إلينا ليسأل حنا صلّينا؟
يكبر أبي..
ولا يكبر عنده شيء كما تكبر الصلاة في قلبه.
لم يعد يسأل عن الأخبار وما يدور في العالم،
ولا يطيل الحديث عن الدنيا وما فيها،
ولم يعد يكتب القصائد كما تعود دائماً
ولا تشغله ضوضاء الحياة كما تشغلنا نحن.
سؤاله واحد، بسيط في لفظه، عميق في معناه:
«حنا صلّينا؟»
أرى في عيني والدي يقينًا هادئًا،
لا استعجال فيه، ولا خوف،
بل طمأنينة رجل أدرك مبكرًا
أن كل ما حققناه في الدنيا كان عابرًا،
وأن الصلاة وحدها هي الحياة.
لم تعد تغريه الأحاديث عن المال،
ولا تلمع في عينيه زخارف الحياة،
صار الوقت عنده يُقاس بالأذان،
والنهار يُقسّم بين الركوع والسجود،
والليل يُختم بدعاء طويل يشبه همس الوداع.
حين يسأل: «حنا صلّينا؟»
لا يقصد الجسد فقط،
بل يقصد:
هل كانت قلوبنا حاضرة؟
هل انكسرت نفوسنا بين يدي الله؟
هل ما زال فينا شيء من الخشوع؟
كبر أبي..
فصغرت الدنيا في عينيه،
وكبرت الآخرة حتى صارت أقرب من كل قريب.
تعلمت منه وحق له أن يعلمني،
أن الإنسان كلما اقترب من نهايته،
ابتعد عن الضجيج،
واقترب من السجود.
وأن الصلاة ليست عادة نؤديها،
بل ملجأ نعود إليه،
حفظ الله قلبًا
لم يعد ينتظر من الدنيا شيئًا،
ولا يهمه إلا أن يسأل بخشوع.. حنا صلّينا.
** **
- منصور الصالح المالك