مهدي آل عثمان
انطلقت مسيرة الدولة السعودية الحديثة، منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- على مبدأ راسخ يقوم على بناء الإنسان، وتطوير المكان، وتحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف أقاليم الوطن، بما يضمن الاستقرار، ويعزز وحدة الدولة، ويستثمر الخصائص الجغرافية والتاريخية لكل منطقة. وقد تعزز هذا النهج في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وتزامن ذلك مع رؤية سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، التي جعلت من التنمية الشاملة، وجودة الحياة، وكفاءة التخطيط، ركائز أساسية في مسار التحول الوطني.
وفي إطار هذا التوجه، لم تعد الجغرافيا الإدارية مجرد حدود تنظيمية ثابتة، بل أصبحت مجالاً للتطوير والمراجعة وفق معايير حديثة تراعي الكثافة السكانية، وسهولة الوصول للخدمات، والجدوى الاقتصادية، والعمق التاريخي. ومن هذا المنطلق، يبرز الحديث عن بيشة بوصفه قراءة تنموية موضوعية، لا مطلباً مناطقياً، ولا اجتهاداً عاطفياً.
حين يُعاد النظر في الجغرافيا الإدارية لجنوب المملكة بعيداً عن التقسيمات الإدارية الحالية، تبرز بيشة بوصفها حالة مميزة. فهي ليست محافظة عادية، بل كيان تاريخي وجغرافي عريق، كان له دور محوري في مسيرة الدولة السعودية الثالثة خلال مراحل توسعها، وقد كانت في وقت سابق إمارة قائمة بذاتها، قبل أن تعيد التنظيمات الإدارية رسم الحدود الإدارية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن بيشة دخلت تحت حكم الملك عبدالعزيز عام 1336هـ، وهو تاريخ مشرف يُعد بداية التنظيم الإداري الفعلي للإمارة، بتعيين أمير وقاضٍ يمثلان الدولة السعودية الثالثة في المنطقة. ولم يكن هذا الحدث معزولاً عن سياق توحيد البلاد، بل جاء انعكاساً لمكانة بيشة السياسية، وثقلها الجغرافي والاقتصادي، ودورها في بسط الأمن والاستقرار على نطاق واسع من جنوب الجزيرة العربية.
ومنذ ذلك التاريخ، شكّلت بيشة نقطة ارتكاز مهمة في الجنوب، ليس فقط من الناحية الإدارية، بل بوصفها مركزاً لربط الأقاليم وتأمين الطرق الحيوية، وهو ما يفسر حضورها المبكر في مشروع الدولة السعودية. فقد سبقت كثيراً من المناطق المجاورة في الدخول تحت لواء الحكم السعودي.
أما من حيث الموقع الجغرافي، فتقع بيشة في موضع بالغ الأهمية، يجعلها حلقة وصل طبيعية بين عدة مناطق ومحافظات، وتمثل بوابة عبور بين نجد وجنوب المملكة، وتتصل بالمنطقة الغربية عبر امتدادات طبيعية، ما منحها نطاقاً سكانياً وخدمياً واسعاً، وجعل تأثيرها يتجاوز حدودها الإدارية الحالية.
وعند مقارنة موقعها والمسافات بينها وبين مراكز إمارات المناطق المجاورة، تتضح خصائص بيشة الجغرافية المختلفة؛ فعلى عكس الطبيعة الجبلية في عسير والباحة، تمتاز بيشة بأراض منبسطة وسهلة، تتخللها الأودية، وفي مقدمتها وادي بيشة، ما يجعلها أكثر قابلية للتوسع العمراني، وأسهل في تنفيذ مشاريع البنية التحتية، وأقل كلفة في التنمية. ولم تعد هذه الميزة اليوم عاملاً ثانوياً، بل أصبحت عنصراً حاسماً في التخطيط الحضري والاقتصادي الحديث.
ويتعزز هذا البعد التنموي بما تحتضنه بيشة من مشروعات إستراتيجية ذات ثقل وطني، إذ تضم، سد الملك فهد المصنّف تاريخياً كأحد أكبر السدود في الشرق الأوسط، وهو ما أسهم في دعم الأمن المائي وتنظيم الموارد الزراعية والسكّانية في نطاق واسع. كما تحتضن أحد أكبر مشروعات الطاقة الشمسية على مستوى الشرق الأوسط وإفريقيا، في انسجام واضح مع توجهات الدولة نحو تنويع مصادر الطاقة والتحول إلى الطاقة المتجددة. وإلى جانب ذلك، تمثل بيشة نقطة ربط رئيسة لشبكة الطرق والخطوط التي تصل بين مناطق المملكة الجنوبية والغربية ونجد، ما منحها بعداً لوجستياً وتنموياً يتجاوز نطاقها الإداري.
وتُشير بعض الروايات إلى أن بيشة كانت حاضرة في مراحل التخطيط الإداري التي ناقشتها هيئة الخبراء بمجلس الوزراء منذ عام 1395هـ، وصولاً إلى صدور قرار مجلس الوزراء عام 1412هـ المتعلق بتنظيم المناطق والمحافظات، في إطار تطوير الأداء الحكومي وتحديث الهياكل الإدارية.
وقد انتهت تلك المداولات إلى اعتماد ضمّها إلى منطقة عسير وفق مقتضيات التنظيم الإداري آنذاك وتغير الظروف. ورغم اختلاف التفاصيل حول تلك المرحلة، إلا أن الثابت أن بيشة لم تكن يوماً هامشاً إدارياً، بل مركزاً مؤثراً في معادلة القرار والخدمة.
ومن حيث السكان، تضم بيشة كثافة بشرية كبيرة، وتنوعاً قبلياً واسعاً، وتخدم نطاقاً جغرافياً ممتداً من القرى والهجر، ما يجعلها أقرب إلى نموذج “المدينة المحورية” القادرة على إدارة محيطها الخدمي والتنموي بكفاءة.
إن إعادة النظر في المكانة الإدارية لبيشة، واستحضار تاريخها كإمارة منذ عام 1336هـ، من شأنه أن يسهم في تطوير منظومة الخدمات، وتقريبها من المستفيدين، وتحقيق تنمية أشمل وأوسع تعزز من معدلات النمو الاجتماعي والاقتصادي، كما يدعم رفع كفاءة التخطيط والاستثمار الأمثل في مواردها الزراعية والبشرية واللوجستية.
ويأتي هذا الطرح منسجماً مع النهج الذي تنتهجه الدولة اليوم في إعادة هيكلة القطاعات التنموية وفق معايير حديثة، تراعي التاريخ، وتستحضر الجغرافيا، وتستهدف التنمية المتوازنة والمستدامة.
وخلاصة القول، إن بيشة ليست مجرد محافظة تقع بين نجد وعسير والباحة، بل مدينة ذات جذور تاريخية عميقة، وإمكانات حاضرة، وتطلعات مستقبلية في وطن لا يتوقف عن البناء، ولا يكف عن تمكين مناطقه وأبنائه.