أصيل المبارك
تتقارب النماذج وتنخفض تكلفتها، لتنتقل المنافسة من (ابتكار الذكاء) إلى (توظيفه ضمن سياق واقعي منظم). وفي هذا التحول، لا تكون الأفضلية لمن يملك النموذج، بل لمن يملك البيئة التي يعمل فيها النموذج ويُنتج فيها أثرًا حقيقيًا (وهو ما تملكه السعودية واقترح أن تشتغل على تطويره).
في الاقتصاد مفهوم:
تسليع التقنية (Commoditization of Technology)
تسليع التقنية يعني انتقالها من كونها:
- نادرة
- مكلفة
- محتكرة من قلة
إلى كونها:
- متاحة
- قابلة للتكرار
- متقاربة الجودة
كما حدث مع الكهرباء، والإنترنت، والحوسبة السحابية تاريخيا والذكاء الاصطناعي يسير في المسار ذاته وأي قطاع أو فكرة جديدة تمر بأمور مشابهة.
- الخلاصة: النموذج لم يعد ميزة، والوصول لم يعد ميزة، وحتى «الذكاء» نفسه لم يعد نادرًا، والنادر الآن هو توفير بيئة وسياق ملائم لاحتضان وحوكمة هذه الابتكارات والمنتجات وطرق وآلية الاستثمار فيها أو طرق وآلية استعمالها.
- جملة تلخيصية:
حين تُسلَّع التقنية، لا تنتهي المنافسة.. بل تنتقل إلى مستوى أعلى.
ولتوضيح مفهوم «السياق» كقيمة إستراتيجية السياق هو مجموع ما يحيط بالتقنية ويمنحها معنى وقيمة، ويشمل:
1 - البيانات الحقيقية غير القابلة للنسخ أو التكرار أو التقليد (وهذا متوافر في السعودية خصوصا بيانات وتنوع السكان ونحو ذلك).
2 - البيئة التنظيمية والتشريعية (تتمتع السعودية بخبرة قوية في هذا الجانب).
3 - التطبيق الواقعي المرتبط بالمجتمع والدولة (رؤية المملكة وفرت أساسا متينا للاستجابة للمتغيّرات واستقبال وتطبيق كل جديد ومفيد).
4 - القرار والاستمرارية المؤسسية (لدى المملكة مؤسسات بتاريخها قادرة على التكيف والاستمرار).
تعريف مختصر:
السياق هو ما يجعل التقنية تعمل لصالحك لا فقط تعمل عندك.
وفي عالم متشابه النماذج، السياق هو مصدر التفوق بمعنى من يطبق وكيف يطبق هو أهم ممن ينشئ هذا التطبيق ولطالما كانت السعودية مميزة في مسألة السياق (كالوجود الدائم للمستهلك مثلا أعلى عدد مستخدمي سنابشات موجودين في السعودية مما جعل سنابشات تضطر تتماشى مع جوهم ورغبتهم).
باعتقادي أن الذكاء الاصطناعي بذاته لا يصنع قوة مستدامة رغم أنه كذلك الآن، لكنه قد يتحول إلى أداة عامة بيد الجميع.
وأرى أنه لا يصنع قوة، بل ما يُراكم حوله من بيانات، تنظيم، قرار، وثقة هو الذي يصنع القوة وهذا أيضا موجود لدى السعودية ورأينا تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عدة مجالات بداية من مستوى الطلاب في الجامعات وصولا إلى التطبيقات الحكومية والحج والعمرة ونحوها.
وهذا ما يمكن تسميته بالقوة المتراكمة:
قوة لا تُبنى بالقفزات، بل بتراكم الأنظمة والتطبيقات والحوكمة وحنا قطعنا شوطا كبيرا ومميزا ومتفردا في هذا الأمر ربما أكثر من الدول التي ابتكرت التقنية والذكاء الاصطناعي.
- الإستراتيجية للسعودية ستكمن
في عالم ما بعد تسليع الذكاء الاصطناعي، والذي فيه قد تتراجع أهمية ابتكار النماذج الأساسية والسباق الخوارزمي البحت وتتعاظم أهمية بناء بيئة تطبيق وطنية ذكية والتركيز على:
- منتجات الذكاء الاصطناعي (AI Products).
- وتشريع الاستخدام (Regulations).
لا فقط تطوير التقنية.
مثال: تحويل الذكاء إلى «نظام تشغيل» للمدن، والخدمات، والمجتمع
الخلاصة:
حين يصبح الذكاء الاصطناعي سلعة، تبدأ الحرب على من يتحكم في البيئة التي يعمل فيها الذكاء، لا على الذكاء نفسه.
لذا قد تكون الفرصة الإستراتيجية للسعودية في:
- أن تكون دولة تطبيق لا دولة مختبر فقط.
- أن تقود في حوكمة وتنظيم استخدام الذكاء.
- أن تُصدّر نماذج تطبيقية وتشريعية، لا مجرد نماذج تقنية.
كما قادت سابقًا في الطاقة، ويمكن أن تقود اليوم في تنظيم وتطبيق الذكاء الاصطناعي على مستوى الدولة والمجتمع.
حيث في المستقبل القريب، لن يُسأل: من اخترع الذكاء؟
بل: من أحسن استخدامه، ومن وفّر له البيئة التي تُحوّله إلى أثر وتعطيه قيمته.
اقترح ما يلي: التركيز على الاستثمار في شركات تطور منتجات الذكاء الاصطناعي وشركات تحوكم وتشرع للذكاء الاصطناعي وتبحث وتقيس فيه بحث اجتماعي وقياس أثر وتطوير تشريعات، إضافة إلى العمل على قيادة التشريع الدولي للذكاء الاصطناعي فلماذا لا نرى منظمة عالمية بقيادة سعودية كمنظمة أوبك للنفط مثلا وربما تبدأ كمشروع صغير (الجمعية السعودية العالمية للذكاء الاصطناعي) ونحو ذلك ثم تبدأ الشراكات العالمية لصياغة السياق والتطبيق الصحيح والتنظيم لاستخدام الـAi في شتى المجالات والرقابة عليها.
كل ما أسلفت هو توقع ووجهة نظر شخصية باطلاع بسيط على الوضع الاقتصادي والتقني الراهن.
** **
- مستشار المركز الوطني لأبحاث الشباب بجامعة الملك سعود