د. محمد عبدالله الخازم
اعتدت قراءة بعض الروايات السعودية، كهاو للقراءة وكمحاولة للتعرّف على حركة الرواية في المملكة، كمتابع. لا أريد إطلاق الأحكام، ففي ذلك تناقض مع ادّعاءات -المتعة والهواية- لكنني في ذات الوقت لست أجد ضالتي، سواء من ناحية المحتوى أو الجودة الفنية، في كثير منها. وحين أشير إلى الرواية، فإنني أفرق بينها وبين الحكاية أو السيرة، فالحكاية قد يهمني فيها ماذا حدث ونتيجة الحدث والسيرة سرد لما دار في الحياة أو جزء منها. أما الرواية، فلها تفاصيل وآليات تتعلَّق بالحبكة الدرامية والزمن والمعنى الظاهر والمضمر، وغيرها من التفاصيل.
بغض النظر عمَّا تستهويه ذائقتي، أرى في كثرة الكتابات السردية إيجابية من ناحيتين؛ الأولى، هي دليل وجود القلق المحفِّز للإبداع السردي والتفكير في الذات وسياقات وفلسفة الحياة بمختلف أزمانها؛ الحاضر والماضي والمستقبل. باعتبار القلق الوجودي/ الفكري أحد أهم محفزات الكتابة، كمكون يستوعب التعبير عن الأفكار/ الذات ضمن سياقات سردية شائكة التركيب. من يكتب ليس فارغاً، بغض النظر عن جودة ما يكتبه. الثانية، هي أن الكثرة دليل الجرأة على التجريب، وذلك أصل الإبداع وحق مباح للجميع.
أكتب اليوم عن رواية «أخابيط» لمؤلفتها لينه الشعلان، كرواية حديثة تستحق التنويه. ولا أخفي بأنني وضعتها ضمن الأولوية رغم وجود أخريات في مكتبتي، لكونها كتبت عن طريق مؤلفة ذات خلفية متخصصة في العلوم ولدي انحياز يرى بأن قراءة مقال/ كتاب ثقافي يكتبه متخصص في العلوم أو من درس/ عاش لغة ثانية أيسر لتجاوبه مع ذائقتي في ترتيب الأفكار، والاختزال، والمباشرة، والموضوعية ... إلخ. لا أقلِّل من كتابات أهل اللغة (الواحدة) والعلوم الإنسانية، فهم يجيدون حبك الصور البلاغية وكتابة الأحاسيس والمشاعر والوجدان والخيالات.
لعل المقدمات أعلاه، من باب الزيادة والاستعراض، فلنعد إلى روايتنا. «أخابيط»، تتطرق إلى صراعات (ريبوتات) مبرمجة تغزو العاصمة ومن خلال سرديات ذلك الصراع تبدو صراعات الإنسان المجتمعية. يأتي ذلك من مبدأ القول، بأن الرواية وربما غيرها من الكتابات، تستخدم أحياناً كحصان تركبه ومن خلال المسير، تلقي/ تسرد الحمول التي تود التطرق لها، سواء كانت فلسفية، أو اجتماعية، أو أيدلوجية، أو سياسية ... إلخ.
إذا، يمكن القول بأن الرواية تقع ضمن روايات الخيال العلمي بتركيزها على صراعات الروبوتات (جمع روبوت أو شخصية آلية). تلك الروبوتات (أخابيط) رغم فتكها بالعاصمة المتخيلة في الرواية، إلى أنها التزمت بقيمة أخلاقية تتمثَّل في عدم الإضرار بالنبات والحيوان، كما أن البطلة التزمت بمعايير أخلاقية خلال عملها في البرمجة والذكاء الاصطناعي. ومهما بلغت قوة الذكاء الاصطناعي، يبقى هناك إنسان خلفة وتجارب ومعلومات جهزها الإنسان.
سيِّدة المشهد في الرواية هي المرأة، وفي النهاية ليس للأخت (تماضر) سوى أخوها (عثمان)، تلك الأخوة التي أنقذت العالم من شر أخابيط. «إيجادهما لبعضهما هو المرساة التي يحتاجها الاثنان ليشعرا بفتات من الأمان وسط معمعة (أخابيط)..»
تحية للمؤلفة، فرغم كونه عملها الروائي الأول ورغم حجمه -تجاوز 250 صفحة- فقد التزمت بانضباطية عالية في السرد لكثير من تفاصيل الشخوص والبيئات. إضافة إلى ذلك فقد حوى العمل (تكنيكات) فنية قد يكون متاحاً للنقاد قراءتها بشكل أكثر تفصيلاً.