د. محمد بن عبدالله آل عمرو
بعد تشخيص واقع اختيار وإعداد المعلم، يصبح من الضروري الانتقال إلى طرح تصور واضح ومحدد يعالج جذور الإشكال، لا مظاهره فقط، فالتحدي القائم اليوم لا يتمثل في نقص البرامج أو ضعف الجهود، بل في تشتت منظومة إعداد المعلم بين جهات متعددة، واختلاف الفلسفات التي تحكمها، وغياب المسار المهني الواضح الذي يبدأ بالاختيار وينتهي بالتمكين المهني داخل المدرسة.
وتشير التجارب التعليمية الرائدة إلى أن جودة إعداد المعلم لا تتحقق بتعدد المؤسسات بقدر ما تتحقق بوحدة المرجعية، فالمعلم حين يُعد ضمن منظومة واحدة واضحة المعالم، تتشكل هويته المهنية مبكرًا، وتتراكم خبراته بصورة منظمة، ويصبح الإعداد التربوي مسارًا متدرجًا لا محطة عابرة، وهذا ما يجعل فكرة إنشاء جامعة وطنية متخصصة في العلوم التربوية خيارًا منطقيًا ومهنيًا لمعالجة الإشكال القائم من جذوره.
إن جامعة العلوم التربوية، بوصفها مؤسسة أكاديمية متخصصة، لا يُراد لها أن تكون مجرد جامعة جديدة، بل مرجعية وطنية لإعداد المعلم، تضبط فلسفة الإعداد، وتوحد معاييره، وتربط بين الجانب الأكاديمي والتطبيقي في إطار واحد منسجم. فوجود مرجعية واحدة لا يعني إلغاء الجهود القائمة، بل إعادة تنظيمها ضمن رؤية واضحة، تمنح مهنة التعليم هوية أكاديمية ومهنية مستقلة.
ويكمن جوهر هذا التصور في أن المعلم لا يُعد صدفة، ولا يُصاغ عبر برامج متفرقة، بل يُبنى عبر مسار مهني متكامل يبدأ منذ القبول الجامعي، فجامعة العلوم التربوية يمكن أن تتولى وضع معايير قبول نوعية، لا تقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل تأخذ في الاعتبار الاستعداد النفسي والمهني، والقدرة على التواصل، والميول نحو مهنة التعليم، بما يعيد الاعتبار لفكرة أن التدريس مهنة لها متطلباتها الخاصة.
كما أن هذه الجامعة، بحكم تخصصها، قادرة على تصميم برامج إعداد تتناسب مع طبيعة المراحل الدراسية، فإعداد معلم المرحلة الابتدائية ينبغي أن يقوم على تكوين تكاملي عميق، يجمع بين المعرفة الأساسية، والمهارات التربوية، وفهم خصائص النمو، وبناء القيم والاتجاهات، أما إعداد معلمي المرحلتين المتوسطة والثانوية، فيقوم على تكوين تتابعي، يبدأ بتخصص علمي راسخ، ثم إعداد تربوي متخصص يتصل مباشرة بطبيعة المادة الدراسية ومتطلبات المرحلة العمرية.
ولا يكتمل هذا النموذج دون أن يكون التدريب العملي جزءًا أصيلًا من بنية البرنامج، لا مجرد متطلب شكلي، فالفصل الدراسي هو البيئة الحقيقية لصناعة المعلم، والتدرج في الممارسة، والإشراف المهني، والتقويم المستمر، كلها عناصر ينبغي أن تُدمج في برامج الإعداد منذ المراحل الأولى، بما يضمن انتقال الخريج إلى الميدان التعليمي بثقة وجاهزية.
كما تتيح جامعة العلوم التربوية توحيد العلاقة بين الإعداد الأولي والتطوير المهني المستمر، بحيث لا يُنظر إلى التدريب أثناء الخدمة بوصفه نشاطًا منفصلًا، بل امتداد طبيعي لمسار الإعداد. فالمعلم يظل مرتبطًا بجامعته المهنية، يعود إليها للتطوير، والتأهيل، وإعادة البناء المعرفي، بما يعزز فكرة التعلم المهني مدى الحياة.
إن الجرأة المطلوبة اليوم لا تكمن في تعدد الخيارات، بل في حسم الاتجاه، فاستمرار الوضع الحالي، بكل ما يحمله من تباين في البرامج وتفاوت في المخرجات، يعني بقاء الإشكال قائمًا مهما حسنت النوايا وتعددت المبادرات، أما توحيد المرجعية في مؤسسة تربوية متخصصة، فيمثل خطوة إصلاحية جادة، تعالج أصل المشكلة بدل الدوران حولها،
ومن هنا، فإن طرح جامعة العلوم التربوية ليس ترفًا تنظيريًا، ولا فكرة مثالية بعيدة عن الواقع، بل استجابة منطقية لحاجة تعليمية واضحة، تفرضها طبيعة مهنة التعليم، ومتطلبات الجودة، وطموح بناء معلم واثق ومتمكن. فحين يُبنى المعلم على أسس واضحة، ويُعد ضمن مسار مهني منظم، فإن أثر ذلك ينعكس مباشرة على جودة التعليم، واستقرار الميدان، وثقة المجتمع في المدرسة.
وبهذا يكتمل الحديث عن الانتقال من تشخيص واقع إعداد المعلم إلى طرح حل مؤسسي واضح، يقوم على وحدة الرؤية، وتكامل المسار، وإعادة الاعتبار لمهنة التعليم بوصفها مهنة تخصصية لها جامعتها، وهويتها، ومسارها المهني الواضح.