د. رانيا القرعاوي
في نهاية ديسمبر 2025 قدّمت المملكة مساهمتها الوطنية المحدّثة في إطار اتفاقية باريس للمناخ (NDC) إلى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، وهي وثيقة رسمية تلتزم فيها الدولة بأهداف خفض الانبعاثات وخطط العمل المستقبلية.
نصّت الوثيقة على أن استهداف خفض أو تجنّب وإزالة 335 مليون طن من مكافئ غازات الدفيئة سنويًا بحلول عام 2040م، مع اعتماد عام 2019م كعام الأساس الديناميكي الذي تُقاس عليه النتائج، وتغطّي هذه الأهداف مجموعة من السياسات والبرامج عبر مختلف القطاعات الاقتصادية. وتتضمن الخطة جهودًا في تنويع الاقتصاد الوطني، ترشيد الطاقة، زيادة الطاقة المتجددة، استصلاح الأراضي والتشجير.
استخدمت الوثيقة صياغات مفتوحة بشأن قاعدة القياس، ولم تحدد صراحة مستوى الانبعاثات الذي سيُقاس عليه خفض الـ 335 مليون طن، وهو ما أتاح إمكانية إعادة حساب الأساس في المستقبل.
على المستوى الإعلامي الدولي، ركز الإعلام الغربي سريعًا على انتقاد غموض الخطة وعدم وضوح أهدافها الأساسية بدلًا من الاحتفاء بها بشكل مباشر. وسلطت الصحافة المتخصّصة الضوء على أن الخطة، رغم الأرقام الكبيرة، لا توضح بجلاء ما إذا كانت الانبعاثات المطلقة ستنخفض أو ما هي نسبة الخفض مقارنة بالسيناريو القائم، وأنها تعتمد على أساس ديناميكي قابل للتعديل بحسب الظروف الاقتصادية.
على النقيض، كان المشهد الإعلامي العربي صامتًا ولم يقدم أي تحليل يتناول بنية الخطة أو تبني قراءة نقدية لها، مما ترك مساحة أكبر لسرديات أجنبية تهيمن على الفهم العام حول ما يلي: هل هذه الخطة طموحة بما يكفي؟ وهل يمكن قياس نتائجها؟ ولماذا توقّعت أهدافها بهذا الشكل؟.
إن صمت الإعلام العربي عن الإجابة عن هذه الأسئلة يطرح تساؤلاً مهمًا: هل غابت الرؤية الاستراتيجية للتواصل عن الجهات المعنية في طرح الوثيقة؟ أم أن هناك اعتبارًا بأن الوثيقة نفسها كافية لتوضيح الأطروحة دون حاجة للتفسير؟ هذا الصمت في المجال العام فتح الباب أمام قراءة أجنبية تتشكّل في أذهان الجمهور قبل أن يتشكل فهم محلي واضح.
الإعلام هنا لا يعمل فقط كناقِل، بل هو صانع أطر للفهم العام. وفقًا لنظرية “وضع الأجندة” (Agenda-Setting)، فإن ما يركّز عليه الإعلام هو ما يعتبره الجمهور، ضمن وعيه، موضوعًا مهمًا يستحق التفكير فيه. حين يغيب التحليل المحلي، يتولّى الإعلام الخارجي صياغة هذا الفهم نيابةً عن الجماهير.
أما نظرية “التأطير” (Framing) فتبرهن على أن طريقة تقديم المعلومة توجه فهم المتلقي لشكلها ومعناها، وهنا يحدد هل تُفهم الخطة كخطوة طموحة؟ أم كوثيقة تُبقي على الوقود الأحفوري؟ وهل التغيير فعلي أم محسوب بطريقة تضمن المرونة؟ الإعلام بوسعه أن يقدّم الإجابات ضمن سياق وطني يمتلك الإحساس بالقضية وليس كمجرد متلقٍ لسرديات عالمية.
نتذكر هنا نظرية المفكر الأمريكي والتر ليبمان حول الصور الذهنية (Stereotypes) ودورها في تشكيل الرأي العام، حيث يرى أن الجمهور لا يتعامل مع الواقع المعقد بشكل مباشر، بل مع «صور» أو «بيئات زائفة» يكوّنها بنفسه أو تُقدم له عبر الإعلام، وهذه الصور المبسطة هي التي توجه سلوكه وقراراته لا الحقائق المجردة.
قُدِّمت الخطة بهذا الشكل - كوثيقة تقنية - بعيدًا عن الإعلام وخبراء الرأي العام؟ هل كان ذلك لتجنّب الجدل؟ أم لعدم امتلاك استراتيجية اتصال واضحة؟ غياب هذه المشاركة يضع عبئًا إضافيًا على الإعلام لتفسير الوثيقة بدلًا من أن يكون شريكًا في بنائها ومعالجتها مع الجمهور.