ميس رضا
نعيش اليوم واقعًا قاسيًا يفرض نفسه على الشباب والفتيات، واقعًا لم تصنعه الحروب ولا الفقر فقط، بل ساهمت في نحته شاشات صغيرة تسكن أيدينا وتحتل عقولنا أغلب الأوقات التي تمرّ سُدى، وتُهدر بلا حساب، ساعة بعد ساعة، دون أن نشعر، وأعمار الزهور تُستنزف في التمرير، واقعٌ تراجعت فيه التغذية العقلانية والروحانية، لتحلّ محلها ثقافة سطحية تقودها منصات التواصل الاجتماعي بلا وعي أو مساءلة.
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أو كما يسمونها «السوشيال ميديا» المرجع الأول للكثيرين؛ تحدد معايير الجمال، وقيمة الإنسان، وحتى معنى النجاح، لم يعد العقل هو القائد بل الصورة، ولم تعد القيم هي الميزان بل عدد الإعجابات والمشاهدات، والأسوأ أن المحتوى الهابط التافه بات الأكثر انتشارًا، يجذب الملايين من المشاهدات، لا لأنه يضيف قيمة، بل لأنه يثير الغرائز ويخاطب السطح، حتى صُنِع من التفاهة «نجوما»، ومن الفراغ صناعة مربحة.
في هذا المشهد العجيب المريب، نرى صورة متصدرة وهوسًا متزايدًا بـ الفيلر والبوتكس ونحت الأجسام، وكأن الجسد مشروع تجاري قابل للتعديل المستمر لا أمانة يجب احترامها، وبات يتم الترويج لصورة واحدة «مثالية» تُقصي التنوع الإنساني وتزرع في نفوس الشباب والفتيات شعورًا دائمًا بعدم الرضا وكأن القبول الذاتي خطأ يجب تصحيحه.
الأخطر من ذلك، أن بعض الشباب لم يعد يرى المرأة كإنسانة كاملة العقل والروح والدور، بل كصورة معروضة على منصات التواصل، محكومة بمواصفات شكلية محددة، جسد، ملامح، وزوايا تصوير إلى أن تحوّلت المرأة في هذا الخطاب المشوّه إلى «منتج رقمي»، تُقيَّم وتُقارن وتُستهلك بصريًا، لا شريكة في الحياة والمجتمع.
وحين تحول العبث بالمشاعر إلى مؤامرة ناعمة، فلم يعد ما يحدث مجرد ترفيه عابر أو صدفة رقمية على منصات التواصل الاجتماعي، بل وصل الأمر إلى ما يشبه مؤامرة ناعمة تقوم على التلاعب بالمشاعر اللحظية للمتابع. فمقاطع «الريلز» المصمّمة بعناية تنتقل بالمشاهد في ثوانٍ بين الحزن والفرح بين الصدمة والضحك، دون أي توازن نفسي أو مساحة للاستيعاب، هذا التقلّب السريع والمستمر أحدث خللًا واضحًا في الإيقاع الطبيعي للمشاعر الإنسانية، وأضعف القدرة على التعاطف الحقيقي، وأربك الإحساس بالاستقرار العاطفي. وبدل الاعتراف بتأثير هذا العبث الرقمي، بات يُروَّج لفكرة أن الجيل الحالي-شبابًا وفتيات-يعاني من «أزمة هرمونات» أو «مشكلات نفسية» وكأن الخلل في الإنسان لا في البيئة التي صُنعت حوله، لتبرير الواقع وتطبيعه، لا لمعالجته أو إنقاذه.
وفي خضم هذا الانجراف، غابت الأسئلة الكبرى:
من نحن؟ ما قيمتنا الحقيقية؟ ما الذي يغذّي عقولنا وأرواحنا؟
غابت القراءة، والتأمل، والحوار العميق، وحلّ محلها التمرير السريع، والمحتوى الفارغ، واللهاث خلف ترندٍ لا معنى له.
لسنا ضد التطور ولا ضد التكنولوجيا، لكن الخطر حين تقودنا بدل أن نستخدمها بوجهها الإيجابي، وحين نسمح لها بإعادة تشكيل وعينا وقيمنا دون نقد أو وعي.
إن إنقاذ هذا الجيل لا يبدأ بمحاربة المنصات بل بإحياء العقل وترميم الروح، وإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة لا كصورة.
فالمجتمعات لا تُبنى بالأجساد المصقولة، بل بالعقول الواعية ولا تنهض بالأرقام على الشاشات بل بالقيم الراسخة في النفوس.