د.عيد بن حجيج الفايدي
واقع الصحف الورقية اليوم ليس كما في السابق؛ فالصحف الورقية «التقليدية» كانت منتشرة ومُشاهدة في كل زاوية، وعند باعة الأرصفة والبقالات والمكتبات العامة ومراكز بيع الكتب، وتُوزع في الرحلات الجوية والدوائر الحكومية.. لكن الآن أين هي؟ وماذا حدث؟ وهل انتهى الدور؟
بالتأكيد الإجابة بالنفي، فهي تصدر يومياً أو أسبوعياً، وما زال لها دور في الإعلام وفي التأثير والتأثر، وهي تمر بمرحلة من مراحل التطور. ومع التحول التقني ظهرت الصحف الرقمية، وأصبحت الصحف تصدر رقمياً أولاً ثم تصدر ورقياً، لكن الحجم ليس كما كان؛ فقد تقلصت الصفحات بتقلص الموارد المالية وتوقف عملية البيع الورقي.
هذه الحالة ليست خاصة بصحيفة واحدة دون غيرها، بل هو تغير وتبدل وصل لكل الصحف في الداخل والخارج، حتى إن بعض الصحف أوقفت النسخة الورقية تماماً واستمرت في الإصدار الرقمي، وصحف أخرى أغلقـت الباب نهائياً وتوقف الإصدار وسُجلت الصحيفة أنها من الماضي. ومن مبررات ذلك قلة الإيرادات المالية وتوقف الإعلانات الورقية، وذلك للتحول إلى الإعلان الرقمي الذي يتسم بالسرعة والانتشار والجاذبية وقلة التكلفة.
ومهما يكن من أمر، فإن من مبررات تحول الصحف إلى الإصدار الرقمي هو عدم صمود الصحافة الورقية أمام تطبيقات وأدوات التواصل الرقمي، من منصات إلكترونية مجانية مروراً بتطبيقات ما يسمى بالتواصل الاجتماعي (إكس «تويتر سابقاً»، والواتساب، والمساحات الحوارية المفتوحة) التي مكنت الأفراد من تلقي الأخبار بسرعة غير معهودة. وأصبح لكل فرد منصة إعلامية مستقلة مجانية، ووسيلة إعلامية إلكترونية سهلة وسريعة لم تحصل لغيره من الأجيال السابقة، مما مكن من ازدياد الشائعات وانتشار معلومات غير موثقة، ولم يعد لديه وقت ينتظر فيه صحيفة ورقية تصل إلى منزله أو يبحث عنها في الأسواق أو المكتبات العامة. وبالتأكيد، فإن كل مسؤول في صحيفة يدرك هذه الحالة ويفكر جدياً بطرق وأساليب للبعد عن شبح توقف الإصدار للصحيفة الورقية.
فهناك خطوات للتحول -تساعد بعون الله- لمواجهة المشكلة، والحاجة ماسة للتفكير بطرق وأساليب أخرى تحقق الهدف، والتفكير بخطوات إجرائية تساهم بالوصول لمصادر ابتكارية جديدة، من ذلك:
- التحول الهيكلي والتقني: التفكير في تحويل المؤسسة الصحفية إلى شركة مساهمة، ووضع استراتيجية جديدة ودائرة عمل أوسع تتجاوز إصدار صحيفة، بل تشمل إصدار تطبيق ذكاء اصطناعي يتجاوز الموقع الإلكتروني للصحيفة، ويقوم بعدة أعمال معروفة عند أصحاب الاختصاص. ويكون من مهام هذه الشركة إنشاء إذاعة صوتية (اذاعة FM) وتقوم بتحويل المكتوب بالصحيفة إلى برامج مسموعة عن محتوى وموضوعات وأخبار عدد اليوم، مع وقفات اعلان، وإنشاء محطة تلفزيونية (يكون محور البث عن عدد اليوم وترجمته إلى لغات أخرى.. مع وقفات إعلانية)، وغير ذلك من النشاط الإعلامي.
- البحث عن مصادر تمويل غير تقليدية: البحث جدياً عن مصادر تمويل جديدة لم تكن مطروحة سابقاً، ومن ذلك «الاستثمار». وعند الوقوف على تجربة الدول الأخرى تتضح التجربة الكبيرة ومدى الحاجة إليها؛ ومنها ما يُشاهد في «نيويورك» من طوابير طويلة للسياح أمام مبنى الأمم المتحدة لدخول القاعات ومشاهدة ما يتم بالداخل مقابل رسوم مالية تعد مصدراً تمويلياً خاصاً للمنظمة العالمية، وهناك معارض ومراكز يتم زيارتها مقابل رسوم.
- الاستفادة من التجارب العالمية: في «واشنطن DC» هناك مركز بالقرب من البيت الأبيض بداخله المكتب الرئاسي والجلوس عليه مقابل رسوم، وشراء صور ورموز تذكارية. أما مراكز الإعلام الأمريكية، فإن لها طريقة أخرى من خلال الدخول إلى استوديوهات الأخبار مقابل رسوم. وليس من الضروري تطبيق نفس الفكرة، لكن المهم الاستفادة من تجارب الآخرين.
- الأوقاف والشراكات العلمية: فتح الباب للأوقاف الخيرية للصحيفة وقبول الهدايا، وفتح المجال للرعاية السنوية مقابل الحصول على خدمات خاصة من الصحيفة. وهل يمكن عقد اتفاقيات تفاهم مع الجامعات لطباعة الرسائل العلمية المتميزة وبيع تلك المطبوعات كمصدر مالي جديد؟
- الاستثمار العقاري: كثير من الصحف المحلية لديها أراضٍ أو عقارات في مواقع استراتيجية، لا تحتاج إلى دراسة جدوى اقتصادية للتأكد من مناسبتها للاستثمار، فهي مواقع استثمارية متميزة من الدرجة الأولى، تحتاج لمنافسة عالمية من خلال تمكين بناء أبراج تجارية جديدة تنافس الأبراج المجاورة لها، ودخول البنوك أو صناديق استثمارية تمويلية كمستثمرين جدد. وهذه المراكز التجارية تشكل علامة جديدة في سماء كل مدينة، وتفتح بعون الله تعالى- مصادر مالية لا حصر لها.
ويستمر التطور بتغير أهداف ورؤى غير تقليدية للحفاظ على الصحف الورقية.. لعل وعسى..