د.عبدالله بن موسى الطاير
النظام الدولي متعدد الأطراف الذي أقامه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية لم يكن في يوم من الأيام يوتوبيا، بل كان عبارة عن صفقة قبلت بموجبها الدول القوية القواعد والمؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، لا لأنها تُحب القيود أو ستخضع لها طوعا، وبدون تردد، بل لأن البديل كان سيكون منافسة شرسة بلا ضوابط أو كوابح، وستكون كلفتها عالية. حققت تلك الترتيبات فترة طويلة من الاستقرار والازدهار والتعاون الدولي في جميع المجالات، وسلمت البشرية دمارا شاملا فيما لو دخلت الدول النووية في حرب ثالثة. تلك الصفقة التي استمرت بما فيها من قصور تؤذن بالأفول على عيون الأشهاد.
أحدث المعاول في جسد التعاون الدولي متعدد الأطراف كان من طرف الولايات المتحدة التي انسحبت رسميا في مطلع العام 2026م من 66 منظمة دولية، 31 منها تابعة للأمم المتحدة، وسبقها على مدى العام المنصرف انسحابات من مجلس حقوق الإنسان، ومنظمة الصحة العالمية، واليونسكو، واتفاقية باريس للمناخ. بالتزامن، يشهد العالم أزمات يتصرف فيها الفاعلون الرئيسيون وكأن معايير الالتزام بسيادة الدول اختيارية؛ يمكن الإشارة في هذا السياق إلى الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران العام الماضي، واختطاف رئيس فنزويلا، والمطالبة الأمريكية الجادة بغرينلاند، سلما أو حربا.
تصرفات خارج الشرعية الدولية تشير إلى مدى تسارع وتيرة تحول النظام القائم على القواعد إلى قواعد تطبق عند الحاجة وفقا للمصالح الوطنية. إنه تحول حقيقي من الالتزام بالتعددية التي تضفي الشرعية على سلوك الدول رغم بيروقراطيتها، وفوضويتها، وضعفها، إلى المشاركة الانتقائية في الالتزام بالقواعد، وهي مسار أسرع للاستحواذ ولكنه أكثر سرعة نحو التشرذم والشتات المؤديين للتصادم. من حيث المبدأ، صممت الهيئات متعددة الأطراف لإدارة النزاعات والتنسيق حول المشكلات المشتركة، إلا أن تعامل القوى العظمى مع تلك المنظمات كفرص لتسويق الروايات كما حدث مع غزو العراق عام 2003م، وفي الحرب على غزة، أو لرفض النتائج وبخاصة باستخدام الفيتو، يجعل من هذه الهيئات أقرب للمشكلات وليس الحلول.
بديل النظام العالمي متعدد الأطراف هو التجزئة. التعاون لن يختفي، بل سيعاد تشكيله في تكتلات قليلة العدد، وتحالفات إقليمية، وأخرى قائمة على قضايا بعينها مثل المناخ والذكاء الاصطناعي الخ. يمكن أن يكون هذا النسق من التعاون فعالاً في مجالات وحيزات جغرافية لكنه أضعف في توفير الشرعية والاتساق العام بين مصالح الدول، لا سيما خلال الأزمات الإنسانية أو النزاعات المتعلقة بالسيادة.
نُشرت دراسات عديدة منذ عام 2016م صمود النظام العالمي متعدد الأطراف بالولايات المتحدة الأمريكية وبدونها، وتزداد وتيرة النقاشات منذ مطلع العام الماضي حول تعاون دولي لا تشارك فيه أمريكا.
الولايات المتحدة حتى الآن لا غنى عنها وبخاصة في مجالات السلم، والأمن، والتسلح، والتمويل والتكنولوجيا، ولكنها أصبحت بشكل متزايد شريكًا انتقائيا تتسوق في النظام الدولي متعدد الأطراف وفق مصالحها، بدلا من قيادتها له. لا محالة، إذا استمرت واشنطن في التراجع، سيتقدم آخرون، لكن ليس بنفس القدرة؛ تستطيع الصين، وأوروبا، وروسيا، والقوى الصاعدة الحفاظ على المعايير الدولية في التجارة، وإدارة المناخ، وتمويل التنمية، مع تعددية قطبية قد لا تكون عاملا إيجابيا، وستواجه الدول الأصغر خيارات أصعب بين مجموعات القوى المتنافسة.
النظام العالمي لما بعد عام 1945م قد لا ينتهي بالسرعة التي يتوقعها بعض المراقبين، إلا أنه يتقلص في المركز ويتضخم على الأطراف، ليصبح أكثر إقليمية، وأكثر اعتمادا على التكتلات، وأكثر نفعية. وسواء شكّل ذلك توازنا جديدا مستقرا، أم هيأ لصراع أعمق، فإن القوى الكبرى مطالبة بأن تعيد اكتشاف أن ضبط النفس ليس صدقة على الدول الأضعف، بل استراتيجية لاستدامة التعاون والبناء.
لقد فشلت عصبة الأمم لأنها صُممت للحفاظ على السلام العالمي بدون عضوية الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك افتقدت للوسائل والإرادة لفرضه، وهو درس شكّل نظام الأمم المتحدة الأقوى، والذي يواجه تحديات خطيرة بسبب تراجع قيادة الولايات المتحدة الأمريكية له. لنكن واقعيين؛ النظام الدولي الحالي قادر على البقاء وقابل لإصلاحات هامشية، لكن أسسه وضعها المنتصرون الذين أحكموا القبضة عليه بعضوية مجلس الأمن الدائمة وحق النقض.
ولن تسمح تلك الدول بتاتا بمشاركة مكتسباتها التي حصلت عليها بالدماء مع أية قوى صاعدة أو مؤثرة. وجود 3 دول دائمة العضوية من التكتل الليبرو – ديموقراطي (أمريكا، بريطانيا، وفرنسا)، هو عرض خطير لحجم الفشل في هذا البناء، لكنه غير قابل للإصلاح بدون حرب جديدة ومنتصرين جدد.