د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
تنهج السعودية نهج الدول الكبرى التي يعتمد اقتصادها بنسبة كبيرة على الصناعات، إذ ركزت ألمانيا على الصناعات الثقيلة والمتوسطة، كذلك تتجه السعودية نحو تعزيز التنافسية الصناعية عبر الإستراتيجية الوطنية للصناعة مدعومة بمبادرات حكومية مثل إلغاء المقابل المالي للعمالة الوافدة في المصانع لتخفيف الأعباء، لخفض التكاليف التشغيلية في المصانع لتمكينها من التوسع والنمو وزيادة إنتاجها، مع التركيز على المحتوى المحلي لخفض التكاليف وتعزيز تنافسية الصناعة وتوطين سلاسل الإمداد، إلى جانب إطلاق حوافز معيارية للقطاع الصناعي وتخصيص 10 مليارات ريال، كما اطلقت الوزارة 15 ممكنا وحافزا للمنشآت الأعضاء في برنامج المشغل الاقتصادي إيمانا منها بأهمية البرنامج في دعم تنافسية الصادرات السعودية وتعزيز وصولها إلى الأسواق العالمية، ما يرسخ مكانة السعودية بصفتها مركزا لوجستيا عالميا، لدعم التحول والتعامل مع المتغيرات على المدى الطويل في القطاع الصناعي.
تتمتع السعودية بموقع إستراتيجي هو محور القارات الثلاث وقلب العالم، مما يسهل الوصول إلى الأسواق العالمية، وتمتلك السعودية موارد طبيعية من نفط وغاز ومعادن، تود السعودية أيضا تعظيم الفائدة من مكامن القوة التي تمتلكها وإن تحول الصناعة إلى قطاع يتسم بالمرونة والاستدامة والتنافسية بقيادة القطاع الخاص.
تركز الإستراتيجية الصناعية السعودية على تطوير الصناعات الحيوية ودمج أحدث التقنيات لتعزيز سلاسل الإمداد العالمية من أجل أداء دور قيادي في الاقتصاد العالمي، مستثمرة تراجع القدرة التنافسية في دول عديدة في أنحاء العالم بوتيرة متسارعة خصوصا في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة وبشكل خاص في قطاع الصناعات الكيمائية والمنتجات الإلكترونية وقطاع الآلات التي يمكن أن تتميز بها السعودية، وقد فقد أكثر من نصف الشركات الكيميائية في ألمانيا القدرة التنافسية، وبلغت النسبة بين الشركات المصنعة للمنتجات الإلكترونية والبصرية 47 في المائة، وفي قطاع صناعة الآلات نحو 40 في المائة.
بالعودة للصناعات السعودية فإن الأرقام تشير إلى تنامي قطاع الصناعة خلال ثلاثة عقود ارتفع عدد المصانع من 1900 مصنع إلى 6 آلاف مصنع في 2014، فيما بلغ عدد المصانع بنهاية 2024 نحو 12589 مصنعا مع استثمارات تقارب 1.2 تريليون ريال، وفرت 927 ألف وظيفة، بزيادة 74 في المائة ارتفاعا من 488 ألفا، مع نسبة توطين 36 في المائة، وتوفير 2.1 مليون وظيفة بحلول 2030، قفز الناتج الإجمالي الصناعي 56 في المائة إلى 501 مليار ريال، وتستهدف السعودية رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي إلى 1.4 تريليون ريال بحلول 2030مع بلوغ نمو شهري في سبتمبر 2025 نحو 9.3 في المائة مدفوعا بالأنشطة غير النفطية والتعدين والتحويلية، ويسير هذا القطاع بثبات ووفق رؤية السعودية فسينمو عدد المصانع نحو 35 ألف مصنع في 2035.
تعد الطاقة والبتروكيماويات العمود الفقري والمحرك الرئيس ليس فقط للصناعة بل وللاقتصاد السعودي، خصوصا وأنه يضطلع بدور محوري في إنتاج المواد الأولية والكيميائية التي تشكل مدخلات رئيسة في مختلف العمليات التصنيعية، إلى جانب قطاعات واعدة تنمو بقوة في السعودية من المعادن إلى التعدين والصناعات الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، وتتجه السعودية بقوة في الصناعات المتقدمة وعلى رأسها السيارات وبشكل خاص السيارات الكهربائية.
نجحت السعودية في أن تتحول إلى مركز إقليمي عبر توطين سلاسل القيمة في الصناعات الغذائية والتحول من تلبية الطلب المحلي بنحو 85 في المائة، والتوجه نحو زيادة الصادرات مع التركيز على الاستزراع المائي، ونجحت في توطين صناعة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية بنحو 40 في المائة من قيمة الإنتاج المحلي، مع زيادة نسبة توطين الأجهزة والمستلزمات الطبية.
بالطبع هناك مشاريع عملاقة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وهو قطاع تؤكد السعودية على القيادة عالميا في قطاع الطاقة النظيفة إلى جانب قيادة الطاقة التقليدية التي أثبتت قدرة على إدارتها لهذا القطاع الحيوي المهم لضمان امن واستقرار الطاقة العالمية.
تستهدف رؤية 2030 زيادة مساهمة قطاعي الصناعة والتعدين إلى أكثر من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، وكل المؤشرات تؤكد أن السعودية تسير في المسار الصحيح، خصوصا وأن السعودية تعزز التحول الصناعي بدور الذكاء الرقمي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي بوصفه الركيزة الأساسية لتعزيز القدرة التنافسية، وتحسين عملية اتخاذ القرار ورفع الكفاءة الإنتاجية، وقد أسهمت الأتمتة المتنامية في مصانع عدة في انخفاض نسبة كبيرة في اضطرابات الإنتاج بفضل قدرات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالأعطال، فضلا عن إطالة دورة حياة الأصول وعمرها التشغيلي تحديدا، إلى جانب انخفاض استهلاك الطاقة.
ومن السياسات الإستراتيجية التي تتبعها السعودية لتعزيز التنافسية عمليات الدمج والاستحواذ التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، والتي تهدف إلى إعادة هيكلة بعض الشركات لتكوين كيانات وطنية أكبر وأكثر تنافسية داخل القطاع الصناعي، ومن ثم القضاء على الازدواجية وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى