د. عبدالله علي بانخر
يقف اليمن اليوم، في مطلع عام 2026، أمام مفترق طرق تاريخي تتداخل فيه طموحات الداخل مع تعقيدات الجغرافيا السياسية الدولية. إن ما نشهده الآن ليس مجرد استمرار لنزاع طال أمده، بل هو اقتراب حقيقي من «ساعات الحسم» التي ستعيد رسم خارطة النفوذ والسلطة، مدفوعة بمتغيرات ميدانية متسارعة ودور قيادي وحاسم للمملكة العربية السعودية في توجيه بوصلة المستقبل.
الواقع الميداني: إعادة ضبط الموازين
في الحاضر، انتقل ثقل الصراع من الجبهات التقليدية إلى المناطق الإستراتيجية الحيوية في حضرموت والمهرة وسواحل البحر الأحمر. إن التحرك العسكري الأخير في يناير 2026، والذي شهد انتشاراً واسعاً لقوات «درع الوطن» والقوات الحكومية بغطاء لوجستي سعودي، يمثِّل «حسم الحاضر» لإنهاء حالة التشرذم داخل معسكر الشرعية. هذا التحرك لا يهدف فقط لتأمين الموارد النفطية، بل لفرض واقع سيادي موحّد يمنع انزلاق المحافظات الشرقية نحو الفوضى أو الانفصال الأحادي، وهو ما تجلى في تراجع حدة الخطاب التصعيدي لبعض المكونات الجنوبية وبدء مرحلة جديدة من الحوار تحت المظلة الإقليمية.
الدور السعودي: هندسة الاستقرار المستقبلي
تمثِّل المملكة العربية السعودية اليوم الركيزة الأساسية التي يستند إليها مستقبل اليمن. فالموقف السعودي لم يعد يقتصر على الدعم الإغاثي أو العسكري التقليدي، بل انتقل إلى «الهندسة السياسية» الشاملة. تتبنى الرياض حالياً إستراتيجية المسارين:
* الأول: تأمين العمق الإستراتيجي للمملكة من خلال ضمان أمن الحدود والممرات المائية، وهو ما يجعل استقرار اليمن ضرورة أمنية سعودية قصوى.
* الثاني: دفع المكونات اليمنية نحو «اتفاق إطاري» شامل ينهي الانقسام المالي والإداري، مع ربط الدعم الاقتصادي المستقبلي بتوحيد المؤسسات الإيرادية تحت سلطة مركزية واحدة.
المستقبل: ملامح اليمن الجديدة
وبالنظر إلى المستقبل القريب، تشير كافة المعطيات إلى أن عام 2026 سيكون عام «التحول الهيكلي». فمن المتوقع أن تفضي الضغوط السعودية والدولية إلى صياغة نموذج حكم يجمع بين المركزية السيادية واللامركزية الإدارية الواسعة للمحافظات (خاصة حضرموت والجنوب)، لضمان توزيع عادل للثروة والسلطة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يتجه المستقبل نحو «الحسم النقدي» عبر إعادة توحيد البنك المركزي اليمني كخطوة إجبارية لإنقاذ العملة من الانهيار الكلي، وهو مسار تدعمه الرياض بقوة عبر حزم تمويلية مشروطة بالإصلاح الهيكلي. إن استقرار الملاحة في البحر الأحمر، المرتبط بالتسويات الدولية الجارية، سيمثِّل حجر الزاوية في إنعاش الاقتصاد اليمني وفتح الباب أمام مرحلة إعادة الإعمار.
إرهاصات الخلاص المنتظر
وإن ساعات الحسم في اليمن 2026 لا تعني نهاية التحديات، بل تعني الانتقال من زمن «الحروب المفتوحة» إلى زمن «التسويات الكبرى». وبفضل الدور السعودي الحازم، يتشكَّل الآن واقع جديد يضع مصلحة الدولة الوطنية فوق مصالح الكيانات الصغيرة، مما يفتح نافذة أمل حقيقية ليمن مستقر يستعيد دوره في أمن واستقرار المنطقة العربية والعالم.
بهذا نكون قد ركزنا على اللحظة الراهنة واستشراف المستقبل.