محمد بن سالم بن علي جابر
في ظل التحولات السياسية الدقيقة التي تشهدها الساحة اليمنية، وخصوصاً ما يتصل بمستقبل الجنوب وصياغة علاقاته الداخلية، تبرز حضرموت اليوم كأحد أهم الأقاليم محوراً وموقعاً وهوية. وقد اكتسبت هذه الأهمية بعد دعوة المملكة العربية السعودية إلى حوار جامع بين المكونات الجنوبية، يهدف إلى بناء رؤية مشتركة تؤسس لاستقرار المنطقة وتنظيم العلاقة بين الكيانات المحلية على قاعدة من التفاهم والاعتراف بالتنوع.
في هذا السياق يصبح الحديث عن حضرموت - أرضاً وتاريخاً وإنساناً - مدخلاً ضرورياً لفهم أي معادلة سياسية قادمة، إذ لا يمكن رسم مستقبل الجنوب دون إدراك خصوصية هذا الإقليم ومكانته في نسيج الجزيرة العربية واليمن التاريخي. فحضرموت ليست مجرد محافظة داخل خارطة حديثة، بل فضاء حضاري عريق له شخصيته الجغرافية والثقافية الراسخة، وهو ما يجعلها مؤهلة لتكون ركيزة للتوازن والاستقرار ضمن أي مشروع وطني أو إقليمي مقبل.
ومن هنا يأتي هذا المقال ليعرّف بحضرموت بين جغرافيتها اليمنية وهويتها الحضرمية المستقلة، مستعرضاً جذورها التاريخية وخصوصيتها المجتمعية والموقع الذي يمكن أن تنهض به في ظل الدعوات الحالية للحوار وصياغة المستقبل السياسي العادل لكل أبناء الجنوب.
فحضرموت قطر يمني الجهة مندرج في الفضاء القبلي والجغرافي لليمن الجنوبي، لكنه في الوقت نفسه كيان ذو خصوصية حضرمية راسخة في الهوية والثقافة والمجتمع والطبيعة. ولا تعارض بين «يمنية الاتجاه» و»حضرمية الهوية»، بل إن فهم هذا التركيب هو المدخل العادل لأي نقاش حول حاضر حضرموت ومستقبلها.
حضرموت ويمنية الجهة والأصل
حضرموت في التصور العربي القديم جزء من «اليمن الجهوي»، أي جهة الجنوب من جزيرة العرب، لا مجرد محافظة في دولة اليمن الحديثة؛ فقد عدّها الجغرافيون من مخاليف اليمن، وربطوا أرضها وقبائلها بسلسلة القبائل القحطانية الكبرى كحمير وكندة وهمدان وقضاعة. وأغلب قبائل حضرموت تعود أنسابها إلى هذه الجذوع القبلية اليمنية، ما يجعل البنية القبلية للحضارم امتداداً طبيعياً لمنظومة القبائل اليمنية الممتدة من ظفار شرقاً حتى نجران ومناطق اليمن الأخرى غرباً.
هذا المعنى «اليمني» هو معنى الاتجاه والجذر التاريخي لا معنى الدولة الحديثة؛ فاليمن هنا هو الجنوب بما فيه وادي حضرموت، والشِّحر، وعدن، والمهرة، وظفار، ضمن حزام واحد من القبائل والثقافات المتقاربة. لذلك يكون القول إن «حضرموت قطر يمني الجهة» تعبير دقيق عن هذا الانتماء القبلي الجغرافي العريق، دون أن يلغي ما لحضرموت من تمايز داخلي في الهوية والخبرة التاريخية.
حضرموت مملكة وإقليم متميز
التاريخ القديم يقدّم حضرموت بوصفها مملكة مستقلة من الممالك العربية الجنوبية الكبرى، لها عاصمتها وموانئها وحدود نفوذها، وليست مجرد هامش ملحق بمركز آخر. وتشير النقوش والدراسات الحديثة إلى أن «حضرموت الكبرى» امتدت تاريخياً من مشارف عدن وأبين ويافع غرباً إلى حدود عُمان القديمة وبلاد المهرة وظفار شرقاً، ومن البحر العربي جنوباً إلى رمال الأحقاف وصحراء الربع الخالي شمالاً، أي فضاء واسع يقوم على وادٍ وساحل وهضبة وصحراء مترابطة.
هذا الامتداد الجغرافي لم يكن مجرد رسم على خريطة، بل كان إطاراً اقتصادياً وحضارياً قائماً على تجارة اللبان والبخور، والموانئ مثل قنا وخور روري، وخطوط القوافل بين الداخل والساحل، وحصون تحمي الحدود والمعابر. لذلك تشكّلت لحضرموت شخصية سياسية وجغرافية متميزة داخل الفضاء اليمني القديم، تتمتع بدرجة من الاستقلال عن سبأ وحِمْيَر ومعين وقتبان، حتى وإن دخلت معها في أحلاف أو صراعات.
الخصوصية الثقافية والمجتمعية الحضرمية
هوية الحضارم اليوم هوية مركّبة، لكنها في جوهرها «حضرمية» ذات ملامح واضحة: لهجة خاصة، ومدرسة فقهية وعلمية يغلب عليها المذهب الشافعي مع تقاليد علمية مميزة، وإرث أدبي وشعري وكتابات ذات نكهة حضرمية. ويُنظر إلى المجتمع الحضرمي في الدراسات الحديثة بوصفه مجتمعاً متديناً محافظاً يميل إلى السلم الاجتماعي والتعايش، مع سمعة بارزة في الأمانة والاستقامة والنزعة التجارية والقدرة على الاندماج في البيئات الجديدة دون الذوبان في هوياتها.
كما تتميز حضرموت بمنظومة عادات وتقاليد خاصة في العبادة والمواسم الدينية، وفي الأعراس والأعياد وتنظيم الأحياء «الحافات»، وفي اللباس والمطبخ الحضرمي، إلى جانب مكانة مركزية للعلماء والبيوتات العلمية والدعوية. وقد حافظ الشتات الحضرمي في شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا والخليج على قدر لافت من هذه الخصوصية، مما يعمّق الشعور بالهوية الحضرمية العابرة لحدود الدولة الوطنية.
الطبيعة الجغرافية وبناء المجتمع
تُسهم الطبيعة الجغرافية لحضرموت في ترسيخ تميزها؛ فالإقليم يقوم على وادٍ طويل وسهول ساحلية وهضبة وصحراء، وتحيط به رمال الأحقاف شمالاً والبحر العربي جنوباً، ما أفرز نمطاً من العمران والاقتصاد مختلفاً عن البيئات الجبلية الكثيفة في غرب اليمن. واعتمدت الحياة الحضرميّة تاريخياً على إدارة الأودية والسدود، والزراعة في مجاري السيول، مع نشاط تجاري واسع داخلياً وعبر الموانئ البحرية، وحماية طرق القوافل بدلاً من الانخراط في حروب قبلية مستمرة.
هذه الجغرافيا شبه المنعزلة نسبياً، المطلة في الوقت نفسه على البحر والمفتوحة على الصحراء، شجّعت على تكوين مجتمع يميل إلى الكفاية الذاتية والتنمية السلمية والهجرة المنظمة، لا إلى الاحتراب والهيمنة المسلحة، وهو ما يشكل فرقاً واضحاً عن مجتمعات يمنية أخرى عرفت تاريخياً بدورات صراع أكثر حدة. ومن هنا يتضح أن «الطبيعة الجغرافية» ليست مجرد خلفية، بل عامل تأسيسي في صياغة مزاج المجتمع الحضرمي وسلوكه السياسي والاجتماعي.
حضرموت بين الانتماء السياسي والهوية
في الإطار السياسي المعاصر تُعدّ حضرموت محافظة ضمن الجمهورية اليمنية، وتُدرج بهذا الوصف في الدساتير والخرائط والتقسيم الإداري للدولة المعترف بها دولياً، وهذا واقع لا يمكن إنكاره في لغة القانون والسياسة الراهنة. غير أن هذا الانتماء السياسي لا يلغي أن هوية الحضارم أوسع من الدولة اليمنية الحالية، وأن تجربتهم التاريخية وفضاءهم القبلي والجغرافي تمنحهم شعوراً بالتميز وحقاً مشروعاً في أن تُحترم خصوصيتهم الثقافية والمجتمعية ضمن أي صيغة سياسية قادمة.
من هنا تصبح الصياغة الأدق: حضرموت قطر يمني الجهة والقبيلة، حضرمي الهوية والثقافة، عربي إسلامي في الانتماء الحضاري الأوسع، منضوٍ اليوم بحكم الواقع في دولة يمنية معاصرة، مع احتفاظه بحق النقاش الحر في شكل العلاقة السياسية التي تصون خصوصيته وتحقق مصلحته بعيداً عن القهر والتهميش. وبهذا الفهم يلتقي التأكيد على يمنية الأصل مع الدفاع عن حضرمية الهوية في معادلة واحدة عادلة: لا إنكار للجذر ولا ذوبان في كيان سياسي يختزل حضرموت أو يستهلك خصوصيتها.