منصور بن صالح العُمري
لم يعد ممكنًا التعامل مع ما يجري في الوطن العربي بوصفه اختلافًا في وجهات النظر أو تباينًا مشروعًا في التقدير السياسي؛ فنحن أمام مسار مكتمل الأركان، تتكرر ملامحه وتتشابه نتائجه، ويقود في كل مرة إلى النتيجة ذاتها: إضعاف الدول العربية، تفكيك مجتمعاتها، وإطالة أمد صراعاتها بما يخدم مصالح ضيقة لا تمت بصلة لمفهوم الأمن العربي ولا لمسؤولية الشراكة الإقليمية.
في ميزان السياسة والقانون معًا، لا تُقاس الأفعال بما يُقال عنها، بل بما تُنتجه على الأرض، وحين يكون الناتج دمًا وخرابًا وانقسامًا، تسقط تلقائيًا كل ذرائع «حسن النية» و«تعقيد المشهد».
في اليمن، لم يعد الخلل موضع اجتهاد أو تأويل، بل واقع موثق يتمثل في إضعاف متعمد لمسار الدولة الشرعية، وبناء قوى موازية، وإدارة صراع داخل الصراع، بما يخدم نفوذًا مرحليًا على حساب وحدة بلد عربي وسيادته، وهو فعل يرقى، في أي توصيف سياسي أو قانوني منضبط، إلى الإضرار المتعمد بأمن دولة.
وفي السودان، تجاوز الدور الخارجي حدود سوء التقدير إلى الإسهام العملي في إطالة أمد الحرب عبر المال والسلاح والدعم غير المتزن، فتحولت الأزمة من نزاع سياسي إلى كارثة إنسانية شاملة، وهنا لا يعود السؤال أخلاقيًا فحسب، بل سؤال مسؤولية مباشرة: من موّل، من سلّح، ومن كانت مصلحته قائمة في استمرار القتال؟ أما في ليبيا والصومال وغيرها، فالنمط واحد لا تخطئه العين؛ كل مشروع وطني مستقل يُربك، وكل محاولة لبناء مؤسسات دولة تُحاصر، وكأن الاستقرار العربي خطر يجب احتواؤه لا غاية يجب تحقيقها.
ويبلغ هذا المسار ذروته حين لا يقتصر الانحراف على الفعل السياسي، بل يمتد إلى الخطاب، فيتحول بعض المسؤولين العرب من الدفاع عن قضايا أمتهم إلى تبنّي السرديات التي طالما استخدمها خصومها، هذا الخطاب لا يشتري احترام الخارج، بل يمنحه ذريعة إضافية للتمييز، ويجعل العربي شاهد اتهام ضد ذاته، ويدفع ثمنه المسلمون في أوروبا قبل غيرهم، ثم يستخدم لمحاربة كل مشروع إسلامي.
في مقابل هذا المسار، يبرز موقف المملكة العربية السعودية بوصفه نموذج دولة تدرك معنى المسؤولية التاريخية، لا مشروعًا وظيفيًا عابرًا. فالمملكة، رغم كلفة المواجهة وتعقيد الملفات، تعاملت مع اليمن باعتباره قضية أمن قومي ومسؤولية عربية لا ساحة نفوذ، وسعت إلى منع سقوطه الكامل في يد الفوضى والمليشيات، كما دفعت في السودان نحو الحلول السياسية وفتحت مسارات التهدئة بدل الاستثمار في الاقتتال، وحافظت في الوطن العربي عمومًا على معادلة واضحة تقوم على أولوية الدولة الوطنية، واحترام السيادة، ورفض المتاجرة بدماء العرب. هذا الفارق الجوهري يميز بين من يرى نفسه دولة ذات التزامات صادقة، ومن يقبل أن يكون أداة في مشروع غيره.
أما ما يُسمّى حيادًا لدى بعض الدول العربية، فليس حيادًا بالمعنى القانوني أو السياسي، بل امتناع انتقائي يفضي عمليًا إلى خدمة المعتدي وخذلان الضحية؛ فالحياد في مواجهة تفكيك الدول، وإشعال الحروب، وتشويه الهوية، ليس موقفًا أخلاقيًا ولا قانونيًا، بل مشاركة سلبية في النتائج، ومن يملك القدرة على التأثير ثم يختار الصمت لا يقف خارج الحدث، بل يقف في صف مآلاته. الخذلان هنا لا يقل خطورة عن العدوان، بل قد يكون شكله الأكثر قبولًا وتمويهًا.
إنّ التغاضي عن العبث تحت ذريعة «حُسن الظن» لم يعد خيارًا سياسيًا مشروعًا، فضلًا عن كونه ترفًا أخلاقيًا، في ظل جراحٍ عربية تنزف بوقودٍ معلوم المصدر، ومساراتٍ أثبتت الوقائع لا الأقوال أنها لا تتجه نحو تكاملٍ أو شراكةٍ مسؤولة، بل نحو تفتيتٍ منهجي وإضعافٍ مقصود.
وعليه، فإنّ المسؤولية التاريخية، لا الانفعال الآني، تفرض اليوم الانتقال الصريح من «سياسة الاحتواء» التي استُنفدت أغراضها، إلى «سياسة الحزم» التي تعيد تعريف العلاقة على أساس الفعل لا الادعاء، وذلك عبر مراجعة شاملة وصريحة لكافة ملفات العلاقة مع هذه الدويلة، دون مواربة أو مجاملات استهلكها الزمن.
لقد ولّى زمن الإدارة بمنطق «الاستمرار الآلي» الذي يفترض أن العلاقات تبقى قائمة لمجرد أنها قائمة، مهما كانت كلفتها ومآلاتها. فالعلاقات التي تُنتج خذلانًا، والشراكات التي تُستَخدم غطاءً للإضرار بالأمن القومي في اليمن والسودان وليبيا، لا يجوز التعامل معها كأعطالٍ عابرة، بل يجب إخضاعها لتقويمٍ جذري يحدد بوضوح: ما يُصحَّح، وما يجمَّد، وما يُعاد النظر فيه بالكامل. إنّ عقل الدولة الرصين لا يُدار بالعواطف ولا بالرهانات الخاسرة، بل يدرك تمامًا متى تتحول المجاملة إلى عبء استراتيجي، ومتى يصبح «إعادة التموضع» ليس خيارًا تكتيكيًا، بل القرار الأخلاقي والسياسي الوحيد الممكن.
إنّ الضبط الحقيقي للعلاقات لا يقوم على الشعارات الفضفاضة ولا على لغة البيانات، بل على الالتزام الصريح والكفّ الفوري عن أي سلوك يضر بالمصالح العربية العليا، أو يهدد استقرار الدول، أو يوظف الصراعات لتحقيق مكاسب جانبية.
ومن أراد أن يكون شريكًا للرياض، فعليه أن يلتزم برصانتها، ويحترم سيادتها، ويتقيد بمنهجها القائم على الدولة لا الفوضى، وعلى الاستقرار لا الاستثمار في الخراب، وأن يكفّ يده عن العبث في حدائق جيرانه تحت أي ذريعة كانت.
أما من اختار أن يكون مخلبًا لغيره، أو أداةً في مشاريع لا ترى في الجغرافيا العربية سوى ساحات اختبار، فعليه أن يتحمل تبعات العزلة، وضريبة التصحيح التي تفرضها الوقائع قبل القرارات، ويُسدد كلفتها كاملة غير منقوصة
إن ما جرى ويجري ليس مادة سجال إعلامي، بل سجل أفعال متراكمة، والتاريخ، كما المحاكم، لا يحاكم الخطابات ولا النيّات المعلنة، بل الوقائع والآثار. من أسهم في دماء اليمنيين، وفي إحراق السودان، وفي تمزيق ليبيا، وفي التحريض على الإسلام بوصفه خطرًا حضاريًا، سيتحمل كلفة ذلك سياسيًا ومعنويًا، ولو بعد حين، فالمسؤولية لا تسقط بالتقادم، والحياد الكاذب لا يعفي من الحساب، والدول تُقاس في لحظات الشدة لا في بيانات التبرير.