الهادي التليلي
الكوجيتو الذي أبدعه الفيلسوف روني ديكارت «أنا أفكر أنا موجود»، الذي ثمَّن فيه التفكير معتبراً إياه ماهية وجود الإنسان، بمعنى أن الإنسان كائن مفكر يحيلنا بدوره على مقولة أرسطية قديمة مفادها أن «الإنسان حيوان ناطق»، أي أن ما يميزه عن غيره من الكائنات هو اللغة، كما يحيلنا إلى مرجعية أخرى يرى فيها كارل ماركس أن ما يميز الإنسان هو العمل، وفي نفس السياق يميز فرانكلين الإنسان على غيره بكونه صانع أدواته، وفي المرجعية السوسيولوجية يعرف الإنسان بكونه كائناً اجتماعياً؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق كينونته خارج السياق الاجتماعي، وفي المرجعية اللسانية هو كائن متكلم.
كل هذه الإحالات لو تم تجميعها أي الفكر والعمل واللغة والمجتمع نجد أنفسنا في المشهدية الترفيهية، فالعملية الترفيهية فكر وعمل ومجتمع ونسيج لغوي متكامل، الترفيه هو الحياة بشتى مظاهرها، فالفكر هو الذي يحملنا من جحيم الرتابة إلى الحلم والإبداع، والعمل الإبداعي جهد ترفيهي يلتقي فيه الشغف بالإنتاج؛ لذلك نجد في عديد الدول نشاطاً ترفيهياً أثناء العمل وفي فترات الراحة وما بعد العمل وما قبله، فالترفيه نشاط يحرك المجتمع ويصنع المعنى فيه، والترفيه لغة بما أنه نسيج إعلامي يجمع الباث والمتقبل ومادة لغوية متعارف عليها بين الطرفين، فالترفيه هو الكينونة التي تميز الإنسان وتعلي شأنه وتجعله في علاقة رغبة مع المحيط وسائر مكونات الوجود.
الترفيه هو الهواء الذي تتنفسه البشرية منذ أزلها إلى لحظة فنائها، لذلك كانت التجربة السعودية في مأسسة الترفيه ووضعه في سياق هيئة عامة حصد نجاحات تاريخيّة لم تكن لتحدث لولا أنها مست الإنسان في جوهره الذي هو في حقيقة الأمر تَجلٍّ من تجليات الترفيه. ولو بحثنا في كل ما لنا فيه رغبة نجد أنه يندرج تحت عنوان الترفيه، فالترفيه هو جوهر الإنسان لأنه يجمع كل أنشطته، لدرجة أن سيغموند فرويد مؤسس علم النفس التحليل يرى أن الطفل الرضيع علاقته بثدي أمه ليست فقط بيولوجية وإنما محكومة باللذة والرغبة أيضاً؛ لأن الترفيه يولد فينا كرغبة دائمة في كل ما هو ممتع وترغب فيه النفس.. الترفيه هو فكر متغلغل في العمل بلغة جمالية وبين باث وجمهور في غالب الأحيان حسب جنس النشاط الترفيهي.