ناصر بن محمد الحميدي
في لحظة وعي بأهمية تكريم النماذج التي تصنع الفرق، وتتجاوز حدود الفعل الخيري التقليدي إلى تأسيس الأثر الحضاري، قررت لجنة جائزة الملك فيصل منح جائزة «خدمة الإسلام» لعام 2026 مناصفةً بين شخصيتين تميزتا بالعطاء، كلٌ في مجاله، وهما:
الشيخ عبداللطيف بن أحمد الفوزان، رجل الأعمال السعودي المعروف ورئيس مجلس إدارة شركة الفوزان، والأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى، أحد أبرز أعلام البلاغة العربية، وأستاذ الأدب بجامعة الأزهر.
رؤية متكاملة في العمل الخيري المؤسسي
جاء تكريم الشيخ عبداللطيف الفوزان تقديرًا لمنهجيته الفريدة في دعم المبادرات التنموية والإنسانية، حيث تجاوز حدود العطاء الفردي العفوي إلى بناء منظومة مؤسسية تنطلق من الاحتياج الحقيقي للمجتمعات الإسلامية، وتُحسن استثمار الموارد في ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
فقد تبنى الشيخ الفوزان نموذجًا نوعيًّا في العمل الخيري، تمثل في إنشاء وقف «أجواد»، الذي أصبح بمثابة الذراع التنفيذية للمبادرات الإنسانية التي تشمل إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية، حفر الآبار، ترميم المدارس، وتوفير السكن للطلبة المحتاجين في عدد من الدول الإسلامية.
ولأن الرؤية الواعية لا تكتفي بالاستجابة للحاجات الملحة، بل تستشرف المستقبل، جاءت مبادراته في تأسيس مراكز تخصصية تقدم خدمات نوعية لفئات المجتمع المختلفة، ومنها:
مركز الفوزان للنساء والأطفال، ومركز آفاق للتوحد، ومركز التأهيل الشامل، وهي منشآت لا تؤدي وظائف خيرية فقط، بل تُجسد تحولًا في مفهوم الخدمة الاجتماعية المبنية على الكفاءة والاستدامة.
وفي سياق دعم رأس المال البشري، أسهم في إنشاء ودعم أكاديمية الفوزان، التي تُعنى بتطوير قيادات القطاع غير الربحي من خلال الأبحاث، المبادرات النوعية، والبرامج التأهيلية المتقدمة.
في عمارة المساجد.. الجمال كجزء من الرسالة تجلّى البعد الجمالي في فكر الشيخ عبداللطيف الفوزان من خلال إطلاق جائزة عالمية لعمارة المساجد، وهي مبادرة تُعيد الاعتبار للبعد الحضاري والفني للمسجد الإسلامي، وتجمع بين الموروث الروحي والابتكار المعماري.
وقد صاحب هذه الجائزة إصدار موسوعة رقمية شاملة لعمارة المساجد، مما يضع العمل في مصاف الجهود البحثية والتوثيقية ذات القيمة العالية.
التنمية بوصفها شراكة مجتمعية إن ما قدّمه الشيخ عبداللطيف وأخوه محمد الفوزان من مشاريع تنموية داخل المملكة لا ينفصل عن هذا التصور الشامل للعطاء، فهما لم ينشغلا بتوسعة الأعمال التجارية فحسب، بل وضعا بصماتهما في إعادة صياغة المشهد المدني والمعماري والاجتماعي في عدة مناطق، من بينها العاصمة الرياض، حيث يجري إنشاء مجمع الأفنيور، أحد أكبر المشاريع التجارية والفندقية في قلب المدينة.
وقد أسهمت جهودهما أيضًا في تحسين وتطوير المجمعات والميادين العامة في منطقتَي الرياض والشرقية، بمتابعة مباشرة من سمو الأمير فيصل بن بندر وسمو الأمير سعود بن نايف، بما يعكس إدراكًا وطنيًا عميقًا بأهمية التكامل بين القطاع الخاص والتنمية الحضرية.
وفي محافظة الزلفي، ترك العطاء بصمة واضحة، حيث جرى دعم عدد من المشاريع المجتمعية والخدمية الكبرى، مثل مباني المطاعم والمرافق العامة، المراكز التأهيلية، مدارس تحفيظ القرآن، مستشفيات الولادة والأطفال، مقرات الهلال الأحمر، والمساهمة في تطوير محطة القطار، وكل ذلك يشهد على فهم متجذر بأن الخير لا يُقاس بحجمه فقط، بل بقدرته على خلق أثر طويل الأمد في حياة الناس.
تكريم يحمل دلالة
إن منح جائزة الملك فيصل للشيخ عبداللطيف الفوزان لا يمثل مجرد تكريم رسمي، بل هو رسالة قوية تؤكد أن المال إذا اقترن بالرؤية والمسؤولية، يتحول إلى أداة حضارية لا تقل أثرًا عن الكلمة والفكرة.
وهكذا، فإن هذا التكريم يأتي ليُثبت أن خدمة الإسلام لا تنحصر في جانب واحد، بل تتعدد مساراتها، ما بين نشر العلم، وتوسيع رقعة العطاء، وتجسيد القيم في واقع الناس.
وفي هذا السياق، يأتي تكريم الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى، أحد رواد البلاغة العربية في العصر الحديث، ليمثل شقًّا آخر من الرؤية المتكاملة للجائزة، حيث تلتقي الريادة الفكرية مع الريادة التنموية في تناغم يُجسّد الصورة المتكاملة لخدمة الإسلام في هذا العصر.
ختامًا:
في زمن كثرت فيه الشعارات وقلّ فيه العمل، تبرز نماذج كالفوزان وأبي موسى لتُعيد التوازن، وتؤكد أن خدمة الدين لا تنفصل عن خدمة الإنسان، وأن منهج البناء الصامت أصدق أنباءً من ضجيج الادّعاء.
نسأل الله أن يجعل ما قدماه في ميزان حسناتهما، وأن يبارك في أعمارهما وأعمالهما، وأن يهيئ للأمة من أمثالهما رجالًا يحملون الهمّ، ويعملون في صمت، ويُشيدون أثرًا يبقى.
{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.