د.عبدالعزيز النخيلان
حين يُذكر الشتاء في المملكة العربية السعودية، تتجه الذاكرة تلقائياً نحو الشمال. وحين يُذكر الشمال، لا يمكن تجاوز حائل؛ المدينة التي لا تستقبل الشتاء كفصل عابر، بل كضيف قديم تعرفه جيداً، وتُحسن استقباله عاماً بعد عام، فهنا، للبرد هيبة، وللسماء حكاية، وللأرض ذاكرة لا تخطئها الحواس.
في حائل، لا يأتي الشتاء فجأة يسبقه إحساس خفي في الهواء، برودة لطيفة عند المغيب، وصمت مختلف في الصباح الباكر. تتبدل ملامح المكان بهدوء، وتختلف نبرة الأحاديث، وتبدأ الاستعدادات الصغيرة قبل الكبيرة، فهنا، للشتاء طقوسه الخاصة، ولليل نكهته، وللنار حين تُوقد معنى يتجاوز الدفء.
وحين تنظر حولك، تدرك أن جمال حائل ليس وليد فصل واحد، بل نتاج طبيعة خلابة تتجلى في كل زاوية. من جبال أجا وسلمى، الشامخة بثباتها وامتدادها، إلى الأودية التي تشق الأرض في صمت، وتحمل معها بعد المطر حياة جديدة. جبال تحفظ التاريخ، وأودية تعرف طريقها إلى القلوب قبل الأرض.
ومع أول زخات المطر، تفوح رائحة الثرى، تلك الرائحة التي لا تُنسى، وتعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، تختلط برائحة البطحاء المبتلة، وتكتمل اللوحة حين تتفتح زهور الربيع بألوانها الزاهية، معلنة أن الأرض ما زالت قادرة على العطاء، وأن الجمال لا يحتاج إلا قطرة ماء.
أما النفود الكبير، فله قصة أخرى مع الشتاء، رماله الحمراء الممتدة بلا نهاية، تتحول إلى مسرح مفتوح للتأمل والمتعة، مشي على الرمال، ونسمات باردة، وسماء صافية، وتجربة لا تشبه سواها.
هنا، يشعر الزائر باتساع المكان، وبأن الوقت أبطأ، وأكثر رحمة، ويتزاحم هواة الرحلات البرية وعشاق السياحة الصحراوية بسياراتهم المجهزة ذات الدفع الرباعي من أقطار المملكة ومن أشقائنا من دول الخليج للاستمتاع بتضاريسها المختلفة والخلابة.
لكن الطبيعة، مهما بلغت من الجمال، لا تكتمل دون الإنسان، وأهالي حائل هم جزء أصيل من هذه اللوحة. كرم متأصل، وبساطة صادقة، وسعة صدر تستقبل الزائر لا كسائح، بل كضيف على البيوت قبل الشوارع. التعامل مع القادم إلى حائل يحمل دفئاً خاصاً، لا يُصطنع ولا يُدرّس، بل هو امتداد لقيم ضاربة في عمق التاريخ.
يخرج أهالي حائل كل شتاء لإقامة المخيمات أو ما يسمونها المخاليف (جمع مخلاف)، امتداداً لما كان يفعله أجدادهم في المخلاف؛ حين كانوا يغادرون المدينة طلبًا للكلأ والمراعي. واليوم، تُقام المخيمات للتمتع بالطبيعة ولمّ شمل الأقارب والأحباب، في تقليدٍ يجمع الذاكرة والدفء والمكان.
وفي السنوات الأخيرة، لم تعد حائل مدينة تعتمد فقط على جمالها الطبيعي وعمقها الاجتماعي، بل أصبحت نموذجاً للتطور المتوازن. تطور جاء بدعم قيادتنا الرشيدة، وبرؤية طموحة يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - رؤية أعادت للمدن هويتها، وربطت بين الإنسان والمكان.
وكان لـ سمو أمير منطقة حائل الأمير عبدالعزيز بن سعد بن عبدالعزيز دورٌ مباشر وملموس في هذا التحول. اهتمام بالتفاصيل، وأنسنة للمدينة، وتزيينها بأجمل حلة، لتكون مهيأة لاستقبال زوارها، ومريحة لسكانها في آن واحد. طرق حديثة، ومرافق متطورة، وخدمات متكاملة، ومطار دولي يربط حائل بالعالم، دون أن تفقد روحها الأصيلة.
الشتاء قادم إلى حائل، كما يأتي كل عام، لكنه هذا العام يأتي محمّلاً بكل ما يجعل الزيارة تجربة متكاملة طبيعة خلابة، وإنسان كريم، وتطور واعٍ، ومدينة تعرف كيف تكون دافئة... حتى في أشد أيام البرد.
وحين يكتمل المشهد، ولا يبقى للبرد إلا حضوره، نغني كما يغني أهل حائل في مخيماتهم، على إيقاع السامري الحائلي، بصوت الأرض، الفنان طلال مداح رحمه الله:
يا نسمة الوادي
يا وردة في بلادي
حايل ربى الشادي
يا نرجس وكادي