غدير علوي
عندما يسمع الناس أن المدينة «تراقب»، يتبادر إلى أذهانهم الكاميرات أو أنظمة المراقبة أو التكنولوجيا، لكن قبل وجود المدن الذكية بوقت طويل، كانت المدن بالفعل توجّه سلوكنا -بهدوء، وبشكل غير مرئي، وعلى نحو مستمر- من خلال التصميم.
عرض الشارع يخبرنا بمدى السرعة التي نتحرك بها.
الرصيف الضيق يجعلنا نسرع، بينما الرصيف المظلل يدعونا إلى التمهل. الساحة المضاءة جيدًا تشعرنا بالأمان ليلًا، في حين أن الممر المظلم تحت الجسور يثير الحذر أو الخوف. لا حاجة للافتات؛ فالمدينة ترسل إشارات، وأجسادنا تستجيب لها تلقائيًا.
يؤثر التصميم في المكان الذي نقف فيه، ومدة بقائنا، وحتى في طريقة تعاملنا مع الآخرين.
المقاعد المتقابلة تشجع على الحوار، بينما المقاعد المواجهة لحركة المرور تحدّ منه. الواجهات المفتوحة تبعث على الثقة، أما الجدران الصمّاء فتخلق مسافة. حتى توزيع الأشجار، أو الدرجات، أو الحواجز يمكن أ ن توجّهنا بشكل غير مباشر إلى الأماكن التي «يُسمح» لنا بالجلوس أو اللعب أو التجمع فيها.
تكمن قوة هذا التأثير في أنه يبدو طبيعيًا. نادرًا ما نتساءل لماذا نتصرف بشكل مختلف من شارع لآخر - نحن فقط نتكيف.
وبهذه الطريقة، «تراقب» المدن من خلال تشكيل الخيارات لا فرض القوانين.
تظهر المشكلة عندما يكون التصميم مهملاً. الشوارع التي تعطي الأولوية للسرعة على حساب الإنسان تُضعف الحياة الاجتماعية، والمساحات المبالغ في التحكم بها تقلل العفوية والإبداع. قد تعلّمنا المدن دون قصد أن نكون متوترين، أو منفصلين، أو في حالة تأهّب دائم.
لكن العكس صحيح أيضًا، فالتصميم الواعي يمكن أن يعزز الشعور بالثقة والهدوء، وعندما تُصمَّم المدن مع فهم سلوك الإنسان، فإنها توجهنا نحو أنماط حياة أكثر صحة وتواصلًا.
قد لا تكون للمدينة عيون - لكنها تمتلك تأثيرًا، وما إذا كان هذا التأثير يجعلنا نشعر بالتوتر أو بالدعم، يعتمد كليًا على كيفية اختيارنا لتصميمها.