د.إبراهيم بن عبدالله المطرف
يتفق المراقب والمتابع والمحلِّل السياسي للعلاقات السعودية المصرية، والغالبية من رجال السياسة والدبلوماسية والعلاقات الدولية والاقتصاد، والأكاديميين والباحثين من السعوديين والمصريين، يتفقون على عُمق العلاقات التاريخية التي تربط الشعبين، ولا يختلفون على حقيقة أن البلدين تربطهما علاقات خاصة، قد لا ترقى إليها أي علاقة تربط بين دولتين في المنطقة، الأمر الذي دعا المعنيين بالشأن السعودي المصري إلى تعميق العلاقة وتوثيقها، وذلك من منطلق أنه إذا كانت تلك العلاقات مطلوبًا توثيقها في كل الأوقات، فإن المرحلة الحالية تستدعى توثيقها أكثر من أي وقت مضى.
لقد دشّنت السياسة الخارجية السعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده -حفظهما الله- انطلاقة جديدة للعلاقات السعودية بالمجتمع الدولي، وأرست قواعد أكثرَ ملائمة للمتغيرات العالمية، وفقًا لحقائق العصر وأوضاع الألفية الجديدة، كما هو واضح في علاقة المملكة بالقوى الكبرى، وبالقوى الصاعدة في كل من آسيا وإفريقيا، ومجالاتها الحيوية الأكثر قُربًا بمعايير الجغرافيا والتاريخ، حيث حرصا -سلمهما الله- على تعزيز علاقة دول الجوار العربي والخليجي، وتأكيد توجهات جديدة في علاقة المملكة بدول الإقليم.
وفي هذا السياق، شهدت السنوات العشر المنصرمة من عهد الملك سلمان -سلمه الله- حركة نشطة وواسعة للدبلوماسية السعودية في المجالين الآسيوي والإفريقي، وانفتاحًا واسعًا على الجوار العربي، وخصوصًا على صعيد العلاقات السعودية المصرية. وتعود توجهات المملكة إزاء مصر الشقيقة باعتبارها أنموذجًا لأحد أكبر الاقتصادات العربية ديموجرافيًا وجغرافيًا، ولما لها من وزن في محيطها العربي والإقليمي والإسلامي والدولي.
ونرى أن لذلك الانفتاح على صعيد العلاقات السعودية المصرية أسباباً عدّة، أبرزها أن التحديات التي يتعرض لها العرب لا حدود لها، بل هي مرشحة للتفاقم، نظرًا لتطورات المنطقة العربية وتحدياتها، التي نراها جميعًا رأي العين.
وثانيها أن أمن العالم العربى، بات اليوم على حافة الخطر، ولم يعد مقبولًا أن تعمل كل دولة على حدة للحفاظ عليه، ومن ثَمَّ، فقد أصبح من الضرورة بمكان تكاتف الجميع لتوحيد الصف العربي آخذين في الاعتبار حقيقة أن الصف العربي كله، ينظر للمملكة ومصر، على أنهما القوتان الكبريان على الساحة العربية.
والسبب الثالث، هو أن المصالح الحيوية للدولتين، تلتقي ولا تتقاطع في كل المجالات، وأن في تعاون الدولتين مصلحة للشعبين السعودي والمصري.
ويمكننا أن نرى في زيارات كل من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان للقاهرة، وزيارات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للمملكة، تطورًا نوعيًا مهمًا في إطار العلاقات المتميزة بين البلدين الشقيقين، وأن نلمس أن الزيارات لا تأتي امتدادًا للزيارات التقليدية بين قادة الدول، بل مثّلت خُطوة فارقة على صعيد العلاقة الإستراتيجية بين البلدين، سواء على مستوى مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، أو على مستوى مسؤوليتهما عن النظام الإقليمي العربي، أو للدقّة، مسؤوليتهما المشتركة عمَّا بقي من النظام الإقليمي العربي، أو على مستوى التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي بين الشعبين.
ويمكننا هنا، أن نلفتَ النظر إلى حقيقة أن حلف القاهرة الرياض هو الأقدم، وهو الأكثر ديمومة واستمرارية في عالمنا العربي، حيث كان التوافق السياسي بين البلدين، ركيزة قام عليها التحالف المصري السعودي طوال العقود السابقة.
ومن المهم في هذا الإطار، أن نشير إلى أن المياه تدفقت بقوة في قنوات العلاقات المصرية السعودية بعد حرب 1967، إذ توافقت رؤية البلدين على العمل معًا لتحرير الأرض العربية المحتلة. وكانت حرب 1973، هي الإنجاز الأكبر الذي تم تحقيقه في تلك المرحلة، فقد حارب جيش مصر في أكتوبر، وحقق انتصارًا عسكريًا كبيرًا، وبمساندة «رائعة» من حظر النفط العربي، الذي «نفذته وقادته» المملكة.
من جهة أخرى، لا بد من أن نشير إلى حقيقة أن السعودية ومصر نجحتا في صيانة التحالف السياسي بينهما، واستعادة السيطرة على قوى الفوضى الثورية، التي أطلقها ما يُسَمّى «الربيع العربي» ومواجهة التيارات المتطرفة والفكر المتشدّد، ووقف المتاجرة السياسية بالدين واتخاذ الشعارات الدينية ستارًا لأطماع سياسية من قبل تيارات الفكر الضال.
ونذكِّر قبل الختام بحرص الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيَّب الله ثراه- على إقامة علاقات وثيقة مع مصر، فقد شهد العام 1926 توقيع «معاهدة الصداقة» السعودية المصرية، التي توِّجت في العام 1955 باتفاقية دفاع مشترك، بعد أن وقفت المملكة بكامل ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري مع مصر الشقيقة، سواء كان ذلك في أروقة الأمم المتحدة، أو في غيرها من المحافل الدولية.
ويمكننا القول، إن العلاقات السعودية المصرية هي علاقات عميقة وقوية، تاريخية وإستراتيجية، وأنها تزداد متانة ورسوخاً وصلابةً يومًا بعد يوم، علاقات لن تشوبها شائبة، ومواقف ثنائية متطابقة حول المنطقة والإقليم والعالم.
ويؤسفني القول، بأن القطاعات الأهلية، الأكاديمي والثقافي والإعلامي منها، قد «فشلت» و«بجدارة» في الارتقاء بجهودها في تعزيز العلاقات السعودية المصرية الثنائية، إلى ذلك المستوى الرسمي الرفيع من الجهود والعلاقات.
حفظ الله البلدين الشقيقين السعودية ومصر، وقياداتهما وأهلهما، من كل سوء ومكروه.
والله من وراء القصد،،