المهدي هندي
في لحظة تاريخية نادرة، يشهد العالم إعادة توزيع صامتة للقوة العلمية. فبينما يتصاعد التنافس التكنولوجي بين الشرق والغرب، تتعرض مراكز البحث التقليدية في الولايات المتحدة وبعض أوروبا لهزّات غير مسبوقة؛ تراجع في التمويل وتضييق بيروقراطي واستقطاب سياسي بات يثقل كاهل الباحث أكثر مما يخدم علمه. والنتيجة؟ عقول لامعة تحزم حقائبها، لا بحثًا عن ترف، بل عن بيئة تحترم العلم وتؤمن بالاستقرار.
هذا التحول يفرض سؤالًا مباشرًا علينا كعرب: أين نقف من هذه الخريطة الجديدة؟ وهل نكتفي بالمراقبة أم نمتلك الشجاعة لتحويل الارتباك العالمي إلى فرصة حقيقية؟
التاريخ القريب يعلّمنا درسًا واضحًا: التفوق العلمي لا يُورث، ولا يُستورد جاهزًا.. إنه قرار. سنغافورة، كوريا الجنوبية، وحتى الصين، لم تبدأ من تراكمات جامعات عريقة عمرها قرون، بل من رؤية سياسية فهمت مبكرًا أن الاستثمار في الإنسان هو أسرع الطرق إلى النفوذ.
اليوم، لم يعد هذا النموذج حكراً على الشرق الآسيوي؛ إذ تقدم المملكة العربية السعودية اليوم نموذجاً عربياً طموحاً يسعى لاقتناص هذه اللحظة.
فمن خلال «رؤية 2030»، لم تكتفِ السعودية بتبني الذكاء الاصطناعي كخيار تقني، بل جعلته عموداً استراتيجياً لبناء اقتصاد المستقبل. وانتقلت المملكة سريعاً من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ المؤسسي؛ فجاء تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ليكون بمنزلة «بوصلة» وطنية تُنظم البيانات وتوجه الاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية.
ولم يتوقف الطموح عند التنظيم، بل امتد إلى «السيادة التقنية» عبر إطلاق شركة (HUMAIN) بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، في خطوة تهدف إلى بناء بنية تحتية وطنية تشمل الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة. هذا التوجه يعكس رغبة حقيقية في التحول من «مستهلك» للتقنية إلى «منتج» لها، وهو بالضبط ما تحتاجه المنطقة العربية لكسر دوامة التبعية العلمية.
إن هذا الحراك يعيدنا بالذاكرة إلى فترات الازدهار العربي؛ ففي النصف الأول من القرن العشرين، كانت عواصم كالقاهرة مركزًا علميًا وفكريًا مفتوحًا على العالم، خرجت منها قامات كـ»مصطفى مشرفة، وأحمد زويل، وطه حسين، وعلي باشا مبارك». هؤلاء لم يكونوا استثناءات عابرة بل ثمرة مناخ احترم العقل ومنحه أدوات العمل.
الواقع المعاصر يؤكد أن النهضة العلمية لا تحتاج إلى قرون. عقود قليلة قد تكون كافية لقلب المعادلة، شرط توافر ثلاثة عناصر لا رابع لها: رؤية سياسية واضحة، تمويل مستقر، وحرية أكاديمية تمنح الباحث الأمان قبل الامتيازات.
العقول المهاجرة اليوم لا تبحث عن أبراج زجاجية، بل عن بيئة تُنصت وتثق وتترك مساحة للتجريب. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نمتلك الجرأة السياسية والمؤسسية لفتح الأبواب على مصراعيها وتعميم هذه التجارب الناجحة قبل أن تُغلق هذه النافذة التاريخية؟
إن التاريخ لا ينتظر المترددين، والفرص الكبرى لا تطرق الباب مرتين.
** **
- كاتب وصحفي ليبي