د. سطام بن عبدالله آل سعد
يستحوذ العمل على الحصة الأكبر من زمن الإنسان البالغ، لا كوسيلة كسب فقط، بل كمنظومة يومية تصنع عاداتٍ في التفكير والسلوك والانفعال. فحين يكرر الفرد نمطًا مهنيًا لسنوات يترك ذلك أثرًا متراكمًا يرسّخ طريقة مخصوصة في الحكم على الأشياء، وفي إدارة الوقت، وفي التعامل مع الضغط.
ومن هنا تُفهم «طبيعة الفرد» بوصفها ما يثبته السلوك المتكرر أكثر مما يعلنه الخطاب عن النفس. فالمهنة -عبر مطالبها اليومية مثل الدقة والتخطيط والالتزام والتواصل -لا تكتفي بتحديد ما يفعله الإنسان، إنما تعيد تشكيل كيف يفكر، وكيف يقرر، وكيف يستجيب. لذلك يمكن القول إن «العمل يصنع الإنسان» هو تعبيرٌ يصف بدقة آليةً اجتماعية - نفسية في تشكيل الشخصية، لا مجرد مجاز أدبي.
وقد يبدو أن الطبيب أو المعلم أو التاجر يمارس عملًا ثم يغادره، لكن نمط العمل يظل حاضرًا في الشخصية. فالطبيب تتكون لديه نزعة تحليلية وحساسية للمخاطر وانضباط في الحكم تحت الضغط. وبالمثل، تُنتج كل مهنة طويلة الأمد «هوية مهنية» تتجاوز المهارة إلى أسلوب حياة ونظرة للعالم.
ولهذا يغدو اختزال العمل في كونه مجرد دخلٍ خطأً فادحًا؛ لأن طريقة العمل تتسرّب إلى طريقة العيش: إيقاع اليوم، وترتيب الأولويات، وطبيعة العلاقات، وتقدير الذات. ومن ثم يتحدد سؤال المعنى في المجال الأكثر انتظامًا في الحياة: ماذا أضيف؟ ولماذا أفعل ما أفعل؟ كثيرون يختارون وظيفة بدافع الضرورة ثم يكتشفون أن الاختيار كان اختيارًا لنوع الحياة؛ فإذا انفصل العمل عن القيم ظهرت فجوة تُترجم إلى فتور أو احتراق أو اغتراب.
وكي يصبح العمل مصدر بناء لا استنزاف، يلزم قدر معقول من التوافق بين متطلبات الوظيفة وميول الفرد وقدراته. فالإنسان لا يُشكّل قسرًا في أي اتجاه؛ بل تنمو فيه ما يوافق طاقاته، وتتعثر فيه ما يناقضها، ولذلك يظل «التطابق الوظيفي» شرطًا عمليًا للمعنى والاستقرار.
أما الذكاء الاصطناعي فيدخل اليوم بوصفه فاعلًا يعيد توزيع المهام والمسؤولية داخل بيئة العمل: يستلم أجزاء من التحليل والفرز والكتابة، ويرفع قيمة مهارات من نوع آخر، مثل صياغة الأسئلة، والتحقق، والتفكير النقدي، وإدارة المخاطر، وحوكمة البيانات.
وهذا التحول قد يحرر الإنسان من الرتابة فيفتح باب التعلم والابتكار، وقد يدفعه - إن اكتفى بدور المتابعة - إلى ضعف الحكم المستقل وتآكل الثقة بالذات المهنية.
لذا فإن بناء الشخصية في عصر الذكاء الاصطناعي يتوقف على قدرة الفرد على امتلاك معايير قراره، لا على مجرد إتقان الأداة.
إنّ المهنة ليست قناعًا مؤقتًا، المهنة خبرة يومية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. وكلما اقترب العمل من قدراته وقيمه تحول من عبء إلى معنى؛ وفي زمن الذكاء الاصطناعي تتأكد هذه الحقيقة أكثر، لأن قيمة الإنسان ستتجلى فيما يحكمه ويوجهه أخلاقيًا ومعرفيًا، لا فيما تكرره الآلة نيابة عنه.