د. تنيضب الفايدي
تقع الدرعية في قلب اليمامة، وقد وردت اليمامة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم
فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرضٍ بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب) متفق عليه.
وقد برزت الدرعية في التاريخ مع تسلم الأمير محمد بن سعود بن مقرن الحكم سنة 1139 - 1726م حيث أحاطها بسور للحماية من جميع الجهات، وزودها بأبراج دائرية ومربعة على مسافات متساوية وبني بالحجر، وتغطيه طبقة من اللياسة الطينية، وأنشئت أبراج وحصون في امتداد السور وزودت الأسوار والأبراج بفتحات للرماية والمراقبة وقنوات لتصريف السيول والأمطار، وعمرت فيها المساجد والقصور والأسواق والحمامات والميادين العامة والأزقة والطرقات، واستخدمت الحجارة في الأساسيات، وبنيت الجدران باللبن (الطين) واستخدمت جذوع النخل للسقوف، وفرش فوقها طبقة من الحصير مغطاة بطبقة من الطين مع مراعاة ميول الأسقف نسبياً لتصريف مياه الأمطار،
وتميزت عمارة الدرعية بالبساطة والجمال، وتوافر الأفنية المفتوحة على السماء للتهوية والإضاءة، مع وجود فتحات مثلثة في الجدران لدخول الهواء والضوء للغرف بدلاً من استخدام النوافذ. كانت الدرعية مركزاً تجارياً وثقافياً، ويشدّ الرحال إليها العلماء وطلاب العلم، ويأتيها سائر الأجناس من اليمن وتهامة والحجاز وبادية الشام والعراق وغيرهم، ونشأت داخل سور البلدة عدد من الأحياء تزيد على عشرة: حي الطريف، حي غصيبة، حي البجيري، حي السريحة، حي الظهيرة والطرفية والعودة والبليدة، من أهمها حي الطريف، حيث يعتبر حي الطريف التاريخي من أهم معالم الدرعية الأثرية لاحتضانه أهم المباني الأثرية والقصور، والمعالم التاريخية، إذ ضم معظم المباني الإدارية في عهد الدولة السعودية الأولى، وفي مقدمتها قصر سلوى، ومسجد الإمام محمد بن سعود، ومجموعة كبيرة من القصور والمنازل، إضافةً إلى المساجد الأخرى، والأوقاف، والآبار والأسوار، والمرافق الخدمية.
وتمت العناية بهذا الحي وذلك بإبرازه كموقع تاريخي أثري متحفي مفتوح، تتكامل فيه جوانب العرض، ما بين الشواهد والآثار المعمارية، إلى البيئة الطبيعية للحي، فضلاً عن العروض التفاعلية والأنشطة الحية، من خلال توظيف أبرز المنشآت المعمارية، لاستيعاب مؤسسات ثقافية متحفية، أو أنشطة وفعاليات ثقافية تراثية، ضمن أسس وضوابط تمكن الزائر من قراءة تاريخ الموقع ومعايشة الأحداث التي جرت عليه، واستشعار قيمته الثرية والحضارية في إطار ثقافي ترويحي. والمحافظة على مباني الدرعية القديمة وكذا بقية المباني في مختلف أنحاء المملكة العربية السعودية، ولاسيما التاريخية تشكل تلك المحافظة رافداً محسوساً في هوية البلد كاملاً حيث إن المحافظة على المباني القديمة وكذا الأدوات المستخدمة في الماضي يحقق ذلك الربط الحقيقي بين الأجيال المتعاقبة بتاريخهم وتراثهم ومن ثم الاعتزاز به والمحافظة عليه وتسليمه إلى الأجيال اللاحقة وحيث ضمت مدينة الدرعية إلى لائحة التراث العالمي في اليونسكو، وبالذات حي الطريف الذي يقع في الدرعية القديمة، كما ضمت الحجر (مدائن صالح) فإن ذلك يعتبر ربطاً عالمياً يعتز به جيل الحاضر والمستقبل.
أما حي الطريف في الدرعية التاريخية فقد سجلت في قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو، وذلك خلال اجتماع لجنة التراث العالمي باليونسكو في دورته الرابعة والثلاثين المنعقدة في مدينة برازيليا بالبرازيل في 29 يوليو عام2010م، ليصبح هذا الحي الموقع الثاني من وطننا الذي يتم تسجيله في قائمة التراث العالمي بعد اعتماد تسجيل موقع الحجر (مدائن صالح).
وحي الطريف من أهم المواقع التاريخية في الوطن، حيث ترتبط علاقته بالدولة السعودية الأولى التي قامت في (1157هـ الموافق 1744م)، فكان حي الطريف أول عاصمة لأسرة آل سعود، أُسس في القرن الخامس عشر الميلادي، ويحتضن حي الطريف أهم المعالم الأثرية من مبان وقصور، كقصر سلوى الذي تم إنشاؤه أواخر القرن الثاني عشر الهجري، وكانت تدار منه شؤون الدولة السعودية الأولى، وكذلك جامع الإمام محمد بن سعود، وقصر سعد بن سعود، وقصر ناصر بن سعود، وقصر الضيافة التقليدي الذي يحتوي على حمام طريف، ويحيط بحي الطريف سور كبير وأبراج كانت تستخدم لأغراض المراقبة والدفاع عن المدينة، وتلك القصور تحمل آثار الأسلوب المعماري النجدي الذي يتفرد به وسط شبه الجزيرة العربية.
وقد تولت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني مهمة تطوير هذا الحي (حي الطريف) وذلك لتحويله إلى مركز ثقافي سياحي على المستوى الوطني، بل العالمي.
وقد أنشئت خمسة متاحف في عدد من القصور التاريخية بالحي تحاكي تاريخ الدولة السعودية الأولى، تشمل كلاً من:
1 - متحف الدرعية:
يهدف المتحف إلى التعريف بتاريخ الدولة السعودية الأولى من خلال منظومة من المكونات المتحفية والأنشطة، ويوفر المتحف عرضا مفتوحا للزوار بين الأطلال المرممة ضمن ممر مخصص لذلك، يحتوى على شاشات تعريفية بأهم فراغات القصر والأحداث التي جرت فيه، إضافة إلى العرض المتحفي المغلق الذي يتضمن لوحات ومجسمات وقطعا متحفية وأفلاما وثائقية.
2 - متحف الحياة الاجتماعية:
يعرض جانبا من الحياة اليومية والعادات والتقاليد والأدوات المستخدمة في فترة ازدهار الدولة السعودية الأولى، وذلك في قصر عمر بن سعود والمباني الطينية المجاورة له.
3 - المتحف الحربي:
يقع ضمن المباني المجاورة لقصر ثنيان بن سعود، وتعرض فيه الجوانب الحربية في تاريخ الدرعية كأدوات الحرب والمعارك الحربية، كما خصص عرض متحفي مستقل داخل قصر ثنيان بن سعود يعرض قصة الدفاع عن الدرعية في أواخر عهدها.
4 - متحف الخيل العربية :
يهدف المتحف إلى التعريف بالخيل العربية وطرق رعايتها في فترة ازدهار الدرعية، ويقع ضمن المباني المجاورة لقصر الإمام عبد الله بن سعود، بالإضافة إلى إصطبلات الخيل المجاورة للقصر.
5 - متحف التجارة والمال:
يقع ضمن مباني بيت المال وسبالة موضي، ويعرض الازدهار الاقتصادي الذي شهدته الدرعية بالإضافة إلى معالم التجارة والعملات والموازين والأوقاف.
إلى جانب مركز توثيق تاريخ الدرعية والذي يقع داخل قصر إبراهيم بن سعود، حيث يشكل مرجعاً توثيقياً لتاريخ الدرعية يدار من قبل دارة الملك عبد العزيز، وكذا مركز العمارة وطرق البناء التراثية في الوقت الذي يتم توظيف الأطلال الخارجية لقصر سلوى لعروض الصوت والضوء والوسائط المتعددة، حيث تستخدم جدران القصر كشاشات لعرض دراما بصرية قصصية تحكي قصة الدولة السعودية الأولى. وجرى ترميم جامع الإمام محمد بن سعود في الحي، وإعادة استخدامه كمصلّى.
ويشتمل الحي على سوق الطريف الذي يتكون من 38 محلاً مخصصة للمنتجات الحرفية والمطاعم التقليدية، إضافة إلى مركز لاستقبال الزوار أقيم عند مدخل الحي، ومركز لإدارة الحي يقام في قصر فهد بن سعود، تديره الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، إضافةً إلى تهيئة الممرات والفراغات العامة داخل الحي، ورصفها وإضاءتها بأساليب متعددة لتبرز القيمة التراثية للحي.
ويهدف المشروع إلى تطوير الحي التاريخي بإعماره، وتحويله إلى مركز ثقافي سياحي دولي، وفـقًا لخصائصه التاريخية والثقافية والعمرانية والبيئية في إطار عصري، ووضعه في مصاف المدن التراثية العالمية.
وقد تم حفل افتتاح مشروع تطوير حي الطريف التاريخي على يد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أيده الله، مساء الأحد 2 ربيع الآخر 1440هـ، بحضور قادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ومن المتوقع أن يتحول هذا الحي إلى قبلة سياحية لزوار المملكة وخارجها نظراً لمكانته التاريخية.
ويمثل مشروع تطوير الدرعية التاريخية، خاصة حي الطريف، جانباً مهماً من اهتمام الدولة بالتراث الوطني وتنميته؛ لأنها يرسخ المحبة ووشائج الوطن في كلّ من ينتمي إلى هذا الكيان الشامخ، ومن ثم الاعتزاز به، كما يحدث نقلة في الوعي في أبنائنا وبناتنا بقيمة تراث الوطن، وأيضاً سيكون له دورٌ كبيرٌ في حفظ تاريخ الوطن وإبراز مساهمة أجدادنا في ملحمة تأسيسه ووحدته، إضافة إلى جذب الاستثمار السياحي.
ولعل من الذكريات الجميلة للمؤلف أنه سكن فندق الدرعية قبل ربع قرن، حيث مكث أكثر من نصف عام في هذا الفندق، عندما كان في دراسة بجامعة الملك سعود لدبلوم الإشراف التربوي، عندما حوّل التوجيه التربوي إلى مسمّى الإشراف التربوي، وكان يتجول ميدانياً في أحياء الدرعية عصراً، ومنها حي الطريف وهو أكبر الأحياء وأفخمها، علماً بأن مبانيه كلها من الصخور والطين، ويتخيّل دائماً الأحداث التاريخية التي مرّت بالدرعية، سواءً الاتفاق الشهير بين محمد بن سعود والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (رحمهما الله) أو غيره، كما يتذكر (المؤلف) ما واجهته الدولة السعودية الأولى من أحداث مريرة.
المراجع:
معجم البلدان للحموي، آثار منطقة الرياض، صيد الذاكرة الباصرة من آثار الوطن الحبيب: قائمة أو داثرة للدكتور/ تنيضب الفايدي، حي الطريف بالدرعية.. مركز السلطة في الدولة السعودية الأولى ومعلم تراثي عالمي، حي الطريف في الدرعية قائمة التراث العالمي اليونسكو.