مهدي آل عثمان
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتعدد فيه المغريات ويزداد فيه التنافس في المظاهر والمقتنيات، أصبحت الحاجة إلى ترسيخ ثقافة حسن التدبير أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتدبير ليس مجرد سلوك اقتصادي، بل هو منهج حياة متكامل يعبر عن وعي الإنسان ومسؤوليته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، وهو إحدى القيم التي دعا إليها الإسلام وحث عليها في أكثر من موضع.
قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}، وهي آية بليغة تجسد التوازن المطلوب بين التقتير والإسراف، وتدعو الإنسان إلى الاعتدال في الإنفاق. فالإسلام لم يمنع من التمتع بنعم الله، لكنه نهى عن التبذير والإسراف الذي يبدد النعم ويقود إلى الضياع. وفي الحديث الشريف يقول النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم : «ما عال من اقتصد»، أي لن يفتقر من أحسن التدبير واعتدل في نفقاته. فهذه التوجيهات النبوية ليست مجرد نصائح اقتصادية، بل هي منهج قيمي يربي الفرد على المسؤولية وحسن التصرف في موارد الحياة كافة.
إن حسن التدبير لا يعني البخل ولا الحرمان، بل هو فن إدارة الموارد بحكمة، ومعرفة متى يُنفق ومتى يُمسك، وكيف يوازن الإنسان بين الحاجات والرغبات. فالمجتمع الذي يترسخ فيه هذا الوعي يعيش حالة من الاستقرار الأسري والاجتماعي، ويقل فيه الهدر المالي والغذائي والطبيعي، وتزداد فيه روح التعاون والمسؤولية. إن مظاهر التبذير التي نشاهدها في بعض المناسبات أو في الاستهلاك المفرط في الأطعمة والمشتريات تكشف عن خلل في فهم قيمة النعمة، وقد حذر الله من ذلك بقوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}، فالإسراف لا يرتبط فقط بكمية المال المنفق، بل يشمل الوقت والجهد والطاقة وحتى العواطف حين تُهدر في غير موضعها. ومن أكثر الفئات حاجة لترسيخ هذه الثقافة الشباب المقبلون على الزواج، إذ تمثل هذه المرحلة نقطة انطلاق لبناء أسرة جديدة تتطلب وعيًا ماليًا وسلوكًا رشيدًا.
فكثير من المشكلات الزوجية تبدأ من غياب التخطيط المالي وسوء إدارة المصروفات، حين تتحول الأعراس إلى سباق في المظاهر، أو تُثقل كاهل الزوج بالديون لمجاراة التقاليد والمبالغات.
إن على الشباب أن يدركوا أن حسن التدبير لا ينتقص من مكانتهم الاجتماعية، بل يعكس وعيهم ونضجهم وقدرتهم على بناء أسرة متوازنة. ومن الواجب أن تُصاغ توعية مجتمعية وتربوية تشجع على الزواج المعتدل، والاقتصاد في النفقات بما يتوافق مع الدخل الحقيقي، حتى تستمر الحياة الزوجية في جو من الاستقرار والسعادة. فالتوازن في المعيشة بداية التوازن في الحياة.
ومن المهم كذلك أن تُغرس هذه القيمة في نفوس الأبناء منذ الصغر، فالأطفال يتعلمون من سلوك الكبار أكثر مما يتعلمون من الأقوال. عندما يرى الطفل والده يدير ميزانية الأسرة بحكمة ويوازن بين الرغبات والحاجات ويستثمر وقته وموارده بشكل مثالي، فإن تلك الممارسات تغرس في وعيه مفهوم التدبير بوصفه جزءًا من الشخصية الناجحة. ويمكن للمدارس أن تلعب دورًا جوهريًا في نشر ثقافة حسن التدبير من خلال الأنشطة التوعوية والبرامج التعليمية التي تنمي مهارة التخطيط والاستهلاك المسؤول وربطها بالقيم الدينية والوطنية، فالتربية على التدبير ليست مجرد درس في الاقتصاد المنزلي، بل هي درس في القيم والمواطنة الصالحة.
لقد أصبحت ثقافة الهدر في بعض المجتمعات ظاهرة مقلقة، سواء في استهلاك المياه والطاقة أو في الإنفاق غير المدروس. ومن المؤسف أن بعض الأسر ترهق نفسها ماديًا لمجاراة المظاهر الاجتماعية دون إدراك لما يترتب على ذلك من أعباء اقتصادية ونفسية. إن الترشيد ليس نقيض الكرم، بل هو الوعي الحقيقي بقيمة النعمة، وهو ما يدعو إليه ديننا الحنيف حين يقول سبحانه: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.
إن بناء مجتمع واعٍ بحسن التدبير يبدأ من الفرد، ويتعمق في الأسرة، ويتجذر في المدرسة، ويتجسد في مؤسسات الدولة. ومع توجهات رؤية المملكة 2030 نحو الاستدامة المالية وحماية الموارد، يصبح ترسيخ ثقافة التدبير مسؤولية مشتركة بين الجميع. فلنربِّ أبناءنا وشبابنا على أن المال والوقت والموارد كلها أمانات بين أيدينا، وأن حسن إدارتها هو مظهر من مظاهر الشكر لله على نعمه. فالتدبير ليس مهارة فحسب، بل ثقافة مفقودة آن الأوان لإحيائها.