محمد عادل
دخلت الأنظمة الذكية إلى قاعات التدريب في بداية الأمر وكأنها «مساعد خلف الكواليس» فكانت تنظم المحتوى، وتحلل أداء المتدربين، وتوفر توصيات مسار تعلم، ولكن شيئا فشيئا أخذ الذكاء الاصطناعي يحتل مساحة أكبر من مجرد المساعد، حتى أصبح يقدم مسارات تعلم كاملة حسب قدرات الشخص، بل ويقيس التقدم ويقترح التعديل، ومن هنا ظهر القلق الحقيقي: إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على أن يفعل كل ذلك.. فما الحاجة إلى المدرب البشري؟
وللرد على هذا السؤال، يجب الأخذ بالاعتبار نقاط عدة منها أن التدريب لم يكن أبدا مجرد عملية نقل معرفة، فالمدرب لا يكتفي بإعطاء المعلومات بل يعيشها مع المتدربين، يشاركهم حماسه، يقرأ تعبهم، يحفزهم، ويتفاعل معهم إنسانيا سواء في القاعة أو خلف الشاشة يحدث تواصل لا يمكن للآلة أن تلامسه، وهنا يكمن الحد الفاصل بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني.
ومن هنا يبدأ ظهور مفهوم آخر وهو فكرة «التكامل لا الاستبدال» فبدلا من أن يكون المدرب مجرد ناقل معرفة، عليه أن يكون:
مرشداً ذكياً يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لدعم متدربيه، مصمما لتجارب تعلم هجينة (إنسان + آلة)، محللا لبيانات التعلم التي توفرها خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
فيكون من يتقن استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريب في موقع الصدارة، بينما من يرفضه سيجد نفسه يتراجع تدريجياً.
وهنا ننتقل إلى أمثلة حقيقية لشركات استخدمت الذكاء الاصطناعي في مجال التدريب وما حققته من نجاحات، فمثلا:
شركة IBM استخدمت منصتها Watson لتحليل أنماط التعلم وتحديد فجوات المهارات، ثم توجيه كل موظّف إلى المسار الأنسب له، وكانت النتيجة: انخفاض في وقت التدريب وزيادة في معدل إكمال الدورات والرضا لدى الموظفين.
وأيضا Walmart اعتمدت منظومة تدريب بتقنية الواقع الافتراضي المدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر شركة STRIVR ، فقامت بوضع الموظفين في بيئات محاكاة مثل: التعامل مع عميل غير صبور وحللت أداءهم: أين نظروا، كم استغرقوا، كيف اتخذوا القرار؟ ثم أعطت لهم تغذية راجعة مخصصة، وكانت النتيجة: تحسن في الأداء بنسبة تقارب 15 % وتقليص كبير في زمن التدريب.
كذلك شركة Schneider Electric دمجت حلول الذكاء الاصطناعي ضمن منصة داخلية للتعلم (Open Talent Management) لتحفيز الموظفين على اكتساب مهارات جديدة وربطهم بفرص التطور، وكانت النتيجة أنهم لاحظوا ارتفاعا كبيرا في إنتاجية بعض الفرق التي استخدمت المنصة بذكاء.
فمن هذه الأمثلة نعود للسؤال الأهم: هل سيُستبدل المدرب البشري؟ الإجابة الأقرب إلى الصواب هي: لا، لكنه سيتم دمج الذكاء الاصطناعي في العملية معه بشكل كبير فتصبح عمليه تكامل لا استبدال.
فالتدريب ليس فقط تعلم مهارة، بل تغيير عقلية، بناء ثقافة إلهام، وهذه أبعاد كانت وستبقى للإنسان حصراً.