فهد المطيويع
لا أعلم ما آلت إليه نتيجة مباراة الهلال والنصر بسبب توقيت إرسال هذا المقال، لكنني على يقين تام بما سيلي المباراة، أياً كانت نتيجتها. فسيناريو ما بعد الديربي مع إعلام النصر بات محفوظًا، لا يتغيَّر، ولا يحتاج إلى انتظار صافرة النهاية، فالعناوين جاهزة، والاتهامات معدة سلفًا، والتبريرات محفوظة عن ظهر قلب. في حال فوز النصر، سنفاجأ كعادتنا بخطاب انتصاري لا يشبه الانتصارات بقدر ما يشبه بيانات الشكوى. سنسمع عن حرب معلنة على النصر، وعن فريق انتصر رغم الاستهداف، ورغم المؤامرات، ورغم الظروف، ورغم كل شيء، وكأن الفوز لم يأتِ من أداء داخل الملعب بقدر ما جاء نتيجة صمود أسطوري أمام قوى خفية لا اسم لها ولا عنوان.
وسيتم التذكير وبإلحاح بأن الهلال سجل لاعبين أجانب ومحليين، وأنه يملك كل الإمكانات، ومع ذلك لم يستطع الفوز على النصر. طرح يتجاهل عمدًا حقيقة أن كرة القدم تحسم داخل الملعب من خلال عمل تراكمي لا بعدد الصفقات ولا بقيمة العقود فقط، لكنه منطق اعتاد عليه هذا الإعلام، الذي لا يفرح بالانتصار بقدر ما يبحث عن خصم يعلق عليه شماعة الخطاب العدائي المشكلة الأكبر أن ما يطرح لا يقترب من الحقيقة كاملة؛ فالأشياء لا تُسمى بمسمياتها، بل تشوّه، ويتم شيطنة الطرف الآخر بصورة ممنهجة، مع تجاهل حقيقة بسيطة: لكل فعل ردة فعل، ولكل قرار سياقه. غير أن هذه اللغة المتزنة لا مكان لها في إعلام اعتاد الصراخ بدل التحليل، والاتهام بدل النقد. أما في حال خسارة النصر وهو احتمال قائم في كل مباراة كرة قدم فسننتقل فورًا إلى المرحلة الثانية من المسرحية: المؤامرة. سيظهر العدو المجهول من جديد، ذلك الكيان الغامض الذي كرَّس حياته، بحسب الرواية، لمحاربة النصر، ودعم الهلال، والتحكم في كل صغيرة وكبيرة.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يملكون إجابة عنه: لماذا؟ ولماذا النصر تحديدًا، رغم أنه أقل فرق المقدمة بطولات وإنجازات؟ وكيف حقق ما حققه عبر تاريخه إذا كان محاربًا بهذا الشكل الممنهج؟
تناقض واضح، لكنه لا يزعج هذا الإعلام، لأن المنطق ليس جزءًا من خطابه. الأهم هو إبقاء حالة الشحن، وصناعة الضحية، وخلق عدو دائم اسمه الهلال، حتى وإن كان الأخير منشغلًا بنفسه، وبمنافساته، وبأهدافه، بعيدًا عن هذه الضوضاء.
وباختصار، مع إعلام النصر لا يمكنك أن «تغمض عينيك»؛ فالعناوين الصاخبة لا تتوقف، والتفسيرات لا تنتهي. ورغم ذلك، فإن شريحة واسعة من المتابعين باتت تتعامل مع هذا المشهد بوصفه مادة ترفيهية، لما يحمله من كوميديا سوداء ودراما متكررة، تتبدل فيها الأدوار ولا يتغيَّر النص. وعلى أي حال، لن تستقيم حال هذا الإعلام ما دام همه الأول ليس تطوير فريقه أو نقد أخطائه بموضوعية، بل مراقبة الهلال في كل خطوة، وتحويله إلى محور كل حديث، في وقت يواصل فيه الهلال عمله بهدوء، محافظًا على صدارته، بتركيز لاعبيه، وبوعيهم بحجم المسؤولية، وبإدراكهم لقيمة الشعار الذي يرتدونه، ولجماهير لا تقبل التفريط.
وفي الختام، تبقى المباراة بالنسبة للهلاليين أبسط مما يتصور الآخرون: هي ثلاث نقاط لا أكثر. إن تحققت، توسَّع الفارق وتأكدت الأفضلية وإن لم تتحقق، فالهلال ما زال في الصدارة، ثابتًا في موقعه، مطمئنًا لمساره. وهنا يكمن الفارق الحقيقي.. بين من ينافس داخل الملعب ومن يعيش على صدى إنجازات الهلال.