جانبي فروقة
مع تسارع وتطور الذكاء الاصطناعي سيتَّسع الفارق بين من يقود المشهد ومن يُترك خلفه لا بسبب نقص الخوارزميات أوضعف النماذج، بل بسبب غياب الرؤية والتخطيط والقدرة على التنفيذ فالفجوة حسب شركة ماكنزي لن تكون في التكنولوجيا، بل في كيفية توظيفها وإدارتها وتحويلها إلى قيمة حقيقية وتشير تقارير عالمية من ماكنزي McKinsey وبوسطن للاستشارات BCG وستانفورد Stanford إلى حقيقة صادمة وهي أن أكثر من 80 % من مبادرات الذكاء الاصطناعي لا تتجاوز مرحلة التجربة (Pilot Phase) من حيث أنها أفكار ذكية وفرق موهوبة مع ميزانيات ضخمة لكن دون أثر حقيقي ودون عائد قابل للقياس. والنتيجة واضحة وهي ليس فشل التقنية، بل الفشل في توظيفها بطريقة منتجة وواقعية.
يتوقع الخبراء أن الذكاء الاصطناعي في 2026م سيصبح ليس فقط خياراً إستراتيجياً للشركات، بل سيصبح شرطاً أساسياً للبقاء والاختبار الحقيقي لقادة الشركات والمؤسسات سيكون لمن ينجح في دمج الذكاء الاصطناعي في إستراتيجيته ونظام عمله وليس فقط لمن يجربه وتعلق ماكنزي إن الفجوة بين من يحقق قيمة من الذكاء الاصطناعي ومن لا يحققها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بقيادة التحول الإستراتيجي داخل المؤسسة والأسباب الرئيسية للفشل تكمن في غياب خريطة واضحة تربط التقينة بالإستراتيجية وعدم دمج الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار على مستوى الإدارة العليا وضعف الحوكمة والتنفيذ وعدم توفر بيانات جاهزة أو غير موثوق بها وثقافة تنظيمة لا تدعم التغيير.
وتقول شركات الاستشارات الكبرى أن هناك عشرة تحولات مهمة سترسم ملامح الذكاء الاصطناعي في عام 2026م وهي أولاً: أن المؤسسات الرابحة حسب Deloitte ستكون تلك التي تخلق قيمة حقيقية بالخروج من سجن التجارب إلى أنظمة قابلة للتوسع مع مؤشرات أداء واضحة وثانياً: فجوة قيمة الذكاء الاصطناعي، فحسب تقرير BCG الذي تحدث بوضوح عن «AI Value Gap» فإن القيمة لن تُخلق لمن يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، بل لمن يبنيه داخل العمليات الأساسية، ثالثاً: صعود دور القيادة التنفيذية، حيث سيخرج الذكاء الاصطناعي من نطاق فرق التقنية ليكون جزءاً من إستراتيجية الإدارة العليا، ورابعاً: تتحول البيانات من أصل مهمل إلى مضاف إستراتيجي ذو قيمة عليا فبحسب IBM فإن الذكاء الاصطناعي لا يضاعف الأداء إلا عندما تكون البيانات مُدارة وموثوقة وومتصلة بالقرار لأنها ببساطة وقود الذكاء الاصطناعي، وخامساً: ستكون تجربة المستخدم أو العميل هي مقياس النجاح، حيث إن النجاح لن يكون بعدد النماذج، بل في تحسين تجربة العملاء وهذا ما وضحته شركة Bain للاستشارات، حيث أشارت إلى أن تجربة العميل ستكون ميدان المنافسة الحقيقي، وسادساً: تسبق البنية التحتية النماذج، حيث تشر Google إلى أن كثيرًا من الفشل سببه الاستثمار في النماذج قبل جاهزية البنية التحتية للبيانات والحوسبة، وسابعاً: الذكاء الاصطناعي هو منظومة متكاملة ثقافياً ونتظيمياً وليس أداة فقط وهذا ما أكدته Stanford AI Index في تقرير يربط بين الابتكار والتنفيذ ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي منظومة متكاملة لا تطبيقًا منفصلًا، حيث يجب أن تُدار المنظومة كنظام متكامل بشمل البيانات (جودتها وتكاملها وحوكمتها) مع البنية التحتية (السحابية والمحلية والأمن السيراني) والعمليات (إعادة تصميم الإجراءات لا مجرد أتمتتها) والأفراد (تطوير المهارات والثقافة) والحوكمة (أخلاقيات ومخاطر وامتثال)، وثامناً: تصبح الحوكمة ممارسة يومية فوفق NIST فإن الحوكمة الناجحة هي التي تُمارَس يوميًا داخل العمليات لا التي تُكتب في السياسات فهي ليست مجرد وثائق، بل ممارسات متكرِّرة تضمن الاستخدام المسؤول، وتاسعاً: وكما يؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي فإن الذكاء الاصطناعي غير المسؤول سيكلِّف المؤسسات ثقة السوق مهما بلغت قوته والاستخدام المسؤول يعد من أهم عوامل الاستدامة وبناء الثقة. وعاشراً: ما يصنع الفرق هو القيادة الجاهزة فالتقنية كما أسلفنستكون متاحة للجميع ولكن القيادة الجاهزة نادرة وتخلص التقارير إلى أن من سيقود الدفة في عام 2026 ليس من يطلق أكبر عدد من التجارب ويشتري أحدث النماذج، بل من يربط الذكاء الاصطناعي بالإستراتيجية ويحدد حالات استخدام واضحة ذات أثر واضح ويبني حوكمة مرنة ويقود التحول بثقة وليس بخوف فالذكاء الاصطناعي لن يصنع الفوضى ولكن سيكشفها ولن يخلق القيادة، بل سيختبرها والفرق الكبير سيكون بين من يقود المستقبل ومن يقرأ عنه فقط. وهناك مثل أمريكي يقول: هناك ثلاثة أنواع من الناس: من يصنعون ما يحدث، ومن يراقبون ما يحدث، ومن يستيقظون متأخرين ليتساءلوا: ماذا حدث؟